علاء الموسوي
مما لاشك فيه بان التجربة العراقية افرزت العديد من الملفات العالقة داخل وخارج المناخ السياسي. فمشكلة التعامل مع البعثيين ومسألة التفريق بين المنتمي فكرا لاعقيدة، وكيفية مواجهة المد الثقافي المؤدلج قوميا داخل هذا الفكر (المحظور دستوريا) كانت ابرز الملفات التي استغلها العامل الاقليمي تجاه التغيير الحاصل في العراق. ولعل ما حصل من توجه اعلامي وسياسي عارم تجاه التغيير المفاجىء في العراق، من قبل الانظمة الاقليمية والدولية، ومحاولتها للتشويه على الرأي العام بشتى الوسائل والسبل، هي بسبب تمسكها وايمانها المطلق بضرورة وجود حزب يؤمن بالشمولية بدلا من التعددية السياسية التي تعمل على قلب الموازنة داخل الجغرافيا السياسية للمنطقة. دعوة المالكي للتصالح مع البعثيين والموالين للنظام الصدامي البائد، لم تأت من ارادة جماهيرية او مشاورة سياسية من الفرقاء داخل التحالفات او خارجها، وانما جاءت نتيجة ضغوطات اقليمية اكثر من ان تكون محلية استعدادا لانسحاب امريكي من البلاد.
القمة الرباعية التي عقدت مؤخرا في ديار المملكة العربية السعودية وبحضور كل من سوريا ومصر والاردن حول التباحث في كيفية التعامل مع عراق خال من الوجود الامريكي، لم تستبعد طرح مجسات نبض للشارع العراقي وفصائله السياسية المنتخبة، من فكرة ادخال (حزب البعث العربي الاشتراكي) الى العملية السياسية وضمان حقه في الانتخابات المقبلة. ولعل ايمان واعتقاد تلك الدول على قدرة البعثيين (الصداميين) في مسك الساحة السياسية وريادتهم في الانقلاب على الحلفاء باسرع وقت ممكن، هي الناجع (من قبلهم) على اجراء تغييرات سياسية في عراق يرغبون في فتح سفاراتهم والتعامل معه كحليف سياسي واقتصادي ضمن المنظومة الفكرية لدول المنطقة.لو اردنا ان نفكر بموضوعية تجاه مبادرة المالكي للمصالحة مع (حزب البعث) بفصائله المسلحة وغير المسلحة، بعيدا عن أي تسييس لماهية المبادرة ودوافعها المتزامنة مع الانتخابات النيابية. سنجدها مبادرة تستحق الاشادة بها اذا جاءت منبثقة عن ارادة جماهيرية وسياسية واعية لمفردة التعامل السياسي مجددا مع البعثيين بعيدا عن تلك الضغوط الاقليمية غير المنسجمة مع الواقع العراقي الجديد، والتي تحاول ان تصنف الكيانات السياسية العراقية على وفق حقولها الخاصة ومصالحها في المنطقة. الا ان اطلاق المبادرة وتزامنها مع الانتخابات المقبلة، وما يدور من استعداد سياسي داخل اطراف الحكومة من نصب الشراك لبعض المكونات السياسية والمتحالفة معها داخل البيت العراقي (الموحد) ، يجعلنا نحن العراقيين متخوفين من تلك المبادرة التي من المحتمل ان تعيد الامور الى نصابها الاول في وضع اصبحت فيه المزايدات والضغوطات الاقليمية هي السائدة على حساب ارادة الشعب ومسؤوليته في اختيار المصير.
ليس من الضروري ان نستشكل على دعوة المالكي للتصالح مع البعثيين (انتخابيا)، فهذا حق مشروع لاي طرف سياسي يتحرك ضمن منظومة (الممكن سياسيا)، ناهيك عن استعداد جميع الاطراف السياسية من التعامل مع أي مكون لم يتلطخ بدماء الشعب. الا ان الاستهانة بدماء الابرياء وضحايا (البعث الصدامي) من شمال العراق الى جنوبه، بدءا من حلبجة وانتهاء بمجازر النساء والاطفال في كربلاء والنجف، لايمكن التغاضي عنها بمسمى التقرب والتزلف السياسي لمخاوف اقليمية لم ترتق الى الواقع المطلوب لعراق يئن من نظام بعثي صدامي دكتاتوري حكمه لعشرات السنين.
على الحكومة ان لاتنخدع بزيارات اقليمية جامحة لعودة البعث مجددا عبر تقديمه النصح والاشادة بحكومة المالكي المتصالحة مع البعث. فالفيصل سيكون اولا واخرا بيد الجموح الجماهيري الراغب لهوية المؤتمن على مقدراته وثرواته، لابيد الجموح الاقليمي الراغب في قلب المعادلة العراقية رأسا على عقب.
https://telegram.me/buratha