رغم عدم محبتي لحافظ الأسد، لكنني تربيت بين رجال دولة، كانت الكلمة عندهم تستوقفهم، وكان الموقف ـ حتى إن صدر عن صديق أو عدو ـ يجعلهم يضربون كفًّا بكف، ليس نكرانًا بل اعترافًا، بأن هذا العدو أو ذاك الصديق قد سبقهم في لحظة تاريخية مفصلية.
أما اليوم، فكل شيء تغيّر. غالبية القيادات، حتى الرسمية منها، لا تقف عند كلمة ولا تلتزم بوعد. كأن كل شيء أصبح صبيانيًا، قزمًا صغيرًا، يتقزّم وينكمش ويتضاءل حتى حدّ العدم.
إنه زمن التفاهة. زمن تُقصف فيه سوريا وتُحتل وتُقسَّم، بينما بعض الذين وصلوا إلى حكمها بغفلة من الزمن ينتظرون على أعتاب الإسرائيلي، لا للبحث في “سلام الشجعان”، بل لبيع كل شيء في سوريا، مقابل ثمن بقائهم في سلطةٍ قائمة على أنقاض مستقبل وطن كان قلب العروبة النابض.
بعد الفظائع والجرائم في الساحل السوري، وبعد الوحشية والقتل والحرق والسلب في السويداء، وبعد التهديد الدائم للحدود البقاعية من قبل مرتزقة مجرمين: ألبان، وشيشان، وزعران قوقازيين…
حقيقة قبل زمن التفاهة العربية كانت هناك شخصيات “لها وزنها” تصل الى الحكم بانقلابات عسكرية او خطابات نارية تلهب القلوب والحناجر من اجل فلسطين، اما اليوم ان يحكم سوريا مجموعة وصلت الى حكم سوريا بالدرجات النارية حاملين معهم احقادهم التاريخية وتكفيرهم للعقل والذكاء الاصطناعي، فانني أجد أن هذا الكلام الذي أنشره اليوم هو للتاريخ.
في مقابلة تلفزيونية بعد توقيع اتفاقية شرم الشيخ بين رابين وعرفات، يتحدث الرئيس مبارك عن القمة، ويجيب عن سؤالٍ حول رابين، عندما أعلن الأخير أنه يريد السلام مع حافظ الأسد.
يقول الرئيس مبارك بالصوت والصورة، وللعلم لا يوجد اي تقارب بين مبارك والاسد.
“كان رابين بيجيلي كتير هنا جدًا، وكان في علاقة شخصية بيني وبينه، يعني في ود، لأنه كان صادق في كل كلمة بيقولها.
القضية الفلسطينية كانت دائمًا حاضرة. كانوا بيجتمعوا لحد أربعة الصبح، وبيرجعوا تاني يوم الساعة تسعة الصبح يكملوا، وينتهوا أربعة صباح تاني يوم.
في أحد لقاءاته معي هنا، قال لي: يا مستر برزيدنت، أنا عاوز أنهي حياتي بأن أوقع سلام مع سوريا ومع الأردن.
فقلت له: هقولك حاجة… الأردن تقدر تتفاهم مع الملك حسين، أنتم تعرفوا بعض كويس، مش مشكلة.
أما سوريا… فالرئيس حافظ الأسد مش ممكن يوافق إنك تاخد مليمتر واحد من الجولان، ده مستحيل يقبل.
فرد عليّ: أنا سأعطيه كل الأرض اللي احتلت عام 67، ولن آخذ سنتيمتر واحد.”
وصل الكلام إلى الرئيس حافظ الأسد، فألقى خطبته الشهيرة قائلاً:
“ونقول نريد أولاً فلسطين، أولاً فلسطين، وثانيًا الجولان.
ولا أقول هذا لأجامل أحدًا، أو لأني أظن في نفسي أن مترًا من الأرض في فلسطين أقرب إليّ أو أعز من متر من الأرض في الجولان، فكلا المترين أرض عربية متساويان تمامًا.
ولكن لأؤكد لإسرائيل أولاً، وللولايات المتحدة الأمريكية ثانيًا، ولعملائهما الصغار في المنطقة ثالثًا، أنه لا سلام إلا السلام الحقيقي العادل، الذي يعيد إلينا الأرض والعزة والكبرياء.”