المقالات

الانتخابات و"كلبدون" والوطن!

392 2021-10-06

 

قاسم العجرش ||

 

كانت جدتي لأمي واسمها (كلبدون) ـ (الكلبدون) هو خيوط الحرير الطبيعية ـ  تزورنا كل شهرين مرة، وكنا صغارا ننتظر زيارتها بلهفة وشوق عارم، كانت عندما تقدُم الينا تحمل صرة، تفتحها وتنادي علينا واحدا بعد واحد، وكنا نفرح بهداياها على الرغم من بساطتها ورخص ثمنها، لكنها هدايا الجدة (كليبد)، (كليبد) تصغير اسمها (كلبدون)، كانت تقبلنا وتشمنا؛ وأثناء تقبيلها لنا تتلمس عضلات سواعدنا، وتنظر في عيوننا..أشو ضعفان؟ هاي ما تاكل زين، يمكن عندك فقر دم، اكل تمر..لكنها قبل الغروب تقول سيب ياكَلبي دا سيب ولا ليلة عند النسيب!!

أشرحها لكم!: إن جدتي كانت تقول حتى لو أسيب في البراري فلن أبيت ليلتي في بيت نسيبي! كانت تقول : بيتي أفيا لي ! اشرحها لكم !: بيتي أكثر فيئا لي من كل البيوت!

حين كانت الجدة العزيزة تطلق تلك الكلمات، كان جميع من في المنزل؛ يعرفون أنه إيذان برغبتها في العودة إلى منزلها الصغير، في الحي الضيق بالمدينة القديمة. فعلى الرغم من أن الجميع، كبارا وصغارا كانوا يخدمونها بتفان، لكنها لم تكن تريد أن تغيب عن منزلها وحيها وجيرانها طويلا..مرة تتذرع بالزرع الذي لم يُسقَ ـ كان عندها مساحة أربعة أمتار مربعة زرعتها فجل وكرفس ورشاد ـ ومرة بالحمام الزاجل الذي يزور بانتظام، سطح منزلها الصغير الذي تعيشض فيه وحدها ، حيث تَعَوَدَ أن تنثر له صباحا ومساءً بعض القوت كيلا يهجر المكان.

أسباب كثيرة جعلتها تؤثر منزلها الصغير في ذلك المكان الضيق، لكن السبب الكبير والمبهم الذي كانت لا تبوح به هو حبها لـالمكان.

يحدث أن تكون الأمكنة مؤثرة في سلوكنا وفي بناء شخصيتنا..والمكان ـ خصوصا مساقط رؤوسناـ أشد تأثيرا فينا من أي شيء آخر..ويظل المكان ساكنا فينا، ولسنا نحن الذين نسكنه!…

طفولتنا…يفوعتنا..صبانا..مراهقتنا…

في مراهقتي القصيرة زمنا، كنت أعرف أن في البيت المقابل لبيتنا فتاة، ولم يكن ممكنا أن أراها أو أحدثها..كنت أعرف شكلها منذ أن كنا صغارا، لكن ما إن كَبُرَت حتى انغلق عليها المكان.

كنت أعلم أنها تقطن في غرفة في الطابق الثاني، وكنت أرى من هذه الغرفة ضوء مصباح خافت (ابو الأربعين واط مال أيام زمان) يضاء عند الغروب، وبإضاءته تبدأ ملحمتي! كنت بالحقيقة أشعر بالاطمئنان كلما كان المصباح مُضاءًا، لكن ما إن يجن الليل ويُطفأ المصباح، إلا ويعتريني هم غامض لا أعرف له عنوان، لكني عندما كبرت وعرفت الطريق الى الأدب والمعرفة والكتابة، وصفت شعوري بأنه عشق للمصباح!!..

لأنني لم أر تلك الفتاة قط…مازلت أمر بحينا القديم ،وكلما أمر أرفع رأسي الى الطابق الثاني علني أرى ضوء المصباح..!

أعتقد أننا جميعا إذا زرعنا فجل وكرفس ورشاد؛ مثل جدتي في باحات بيوتنا، وإذا أحببنا كل مصابيح الوطن، فإن مكاننا وأعني به وطننا، سيبقى أخضرَا مُضاءًا بالحب أبد الدهور…فتعالوا ننتخب وطن تضيئه مصابيح المجاهدين والشهداء..

كلام قبل السلام: الخبرة ؛ هي المُشط الذي تعطيك إياه الحياةعندما تكون قد فقدتَ شعرك!!

سلام…

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3846.15
يورو 1639.34
الجنيه المصري 92.85
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 2040.82
دينار كويتي 4761.9
ليرة لبنانية 0.95
ريال عماني 3846.15
ريال قطري 401.61
ريال سعودي 389.11
ليرة سورية 1.16
دولار امريكي 1449.28
ريال يمني 5.83
التعليقات
عبد الله ضراب : ذلُّ السّؤال في أهل اليراع بقلم الشّاعرعبد الله ضراب الجزائري إلى الشّعراء والكتّاب والشّيوخ الذين كرّسوا ذلّهم ...
الموضوع :
كلمات إلى زينب سليماني
مواطن : مع هذا القرار ....... انتشر اخيرا فيديو لطفل في الاول الابتدائي والمعلمة اثرت تصويره على تهدئته لم ...
الموضوع :
التربية تبحث جملة موضوعات "مهمة"
مواطنة : عظم الله اجوركم ...
الموضوع :
ألقاب الزهراء(ع) تعكس مكانتها وتبيِّن تقصيرنا!
اياد عبدالله رمضان حسين علي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ابي موظف عنده خدمه بالخمس وثلاثين سنه قبل داعش طلع للتقاعد وكان ...
الموضوع :
هيئة النزاهة تضع الخط الساخن للكشف عن حالات الفساد الاداري والمالي وشكاوى المواطنين
رسول حسن نجم : ليتنا نستفيد من التجربه الايرانيه وليت سياسيينا ومنظرينا يأخذوا هذه المسأله بجد ولا يألوا جهدا فيها لان ...
الموضوع :
إيران صراع مع الاستكبار لَن ينتهي، وضمانات البقاء هيَ القوٍَة
رسول حسن نجم : توضيح اكثر من رائع.. فعلا مشكلتنا الان هو عدم تمييز العدو من الصديق من قبل الكثيرين مع ...
الموضوع :
خذ الحكمة ولو من أفواه المنافقين..!
رسول حسن نجم : والله كلامك هذا في وسط الهدف ولم ارى فيه حرفا واحدا زائدا او انشاء وهي والله الحقيقه ...
الموضوع :
امريكا دولة مارقة لاتسمح باستقرار البلد !!!
الدكتور مسلم شكر : بارك الله فيك اجدت واصبت كبد الحقيقه ...
الموضوع :
كذبة حب الوطن..!
علي عبدالامير : الذي ينكر ما ورد بالمقالة عليه ان يقراء التاريخ ويدرس الجغرافية … اما تقول ان العراقيين اكديين ...
الموضوع :
من هم عرب العراق الحقيقيون
رسول حسن نجم : لافض الله فاك وجزيت خيرا.. فالشهادات(لاسيما في عراقنا الجريح) اصبحت مكمله للبدله الراقيه وباقي مستلزمات القيافه ولقد ...
الموضوع :
الشهادة العلمية والفخرية..هوس وموضة وأبتزاز 
فيسبوك