المقالات

ألواح طينية..ثمة إله أسمه الوطن..!

1996 2021-03-15

 

قاسم العجرش qasm_200@yahoo.com ||

 

في المفهوم الدلالي الشائع لمفردتي الدولة والوطن، فإن الحدود الفاصلة بينهما مفاهيميا؛ تبدو متداخلة الى حد بعيد، بل ويصعب التفريق بينهما لدى جمهرة كبيرة من المثفقين، فما بالك بالمنخرطين بالحقل السياسي، الذين يعدون الدولة هي الوطن والوطن هو الدولة..

على صعيد عامة الشعب، وخصوصا في مجتمعاتنا الشرقية، التي تعتقد أن الحكومة "والد" يجب طاعته، فإن الوطن يعني الحكومة، بيد أن الأمر يكون له منظور آخر لدى الشعوب العربية، التي ما عرفت منذ أفجر الخليقة لغاية الساعة، وربما الى قيام الساعة، غير الحكام المستبدين، فإن الوطن لديها هو الحاكم المستبد..وإذا قال صدام قال العراق..!

في الجذر اللغوي لمفردتي الوطن والدولة، فإن الدولة من الفعل دال، وهو للانتقال والتداول، الدولة للغلبة كما أن الأيام دول، توحي بالتغيير والحركة والتبدل، فيما الوطن من الفعل وطن وطَّنَ: طبَّعه ألّفه على بيئة جديدة، وطَّن نفسَه على الأمر،أي وطَّن نفسَه للأمر وحَمَلها عليه وهيَّأها لفعله، ووطَّن الشَّخصُ بالبلد؛ أي اتّخذه مَحلاًّ وسكنًا يُقيم فيه، وهكذا فإن الدولة والوطن ضدان بالمفهوم، الوطن ثابت والدولة متغير، وإن توحد المدلول أحياناً..الوطن شيء والدولة شيء آخر تماما.

قبل الحرب العالمية الأولى؛ التي إشتعلت وأنتهت في بداية القرن الماضي، كانت معاني وخرائط "الدول" غير تلك التي نعرفها اليوم، ويرجع ذلك إلى الطريقة العشوائية، التي أعيد بها رسم الحدود بين الدول بعد الحرب، وإلى الكيفية التي قسمت بها القوى الاستعمارية بعض المناطق، قبل انسحابها من آسيا وإفريقيا.

 آنذاك، وفي ارض أسمها العراق، لم تكن ثمة "دولة عراقية"، ولم يكن للدولة هذا المفهوم والمعنى والجسم المتعارف عليه، وكان الشرطي او الجندرمة هو الدولة، إذ كنا جزءًا من الإمبراطورية العثمانية لخمسة قرون، وكنا "نرطن" باللغة التركية، ولحد الآن فإن أكثر من ثلثي الشعب العراقي، يحملون وثائق جنسية تثبت أن "رعوية" آبائهم للدولة العثمانية، وما تزال مؤسسات دولة العراق الحالية، تعامل من لا يمتلكون مثل الوثائق، على أنهم ليسوا عراقيين أقحاح، مع أن الذي تبدل هو الدولة، فيما الوطن لم يتحرك ولن يتحرك من مكانه أبدا!

لكي تتم صياغة توفيقية لما يخدم الدولة، جرى دمج مفردتي الدولة والوطن بطريقة تلفيقية، تحت مسمى الدولة الوطنية، أو "الوطن" بمفهومه الجديد، الوطن تحول إلى "إله" معبود، يخدم الأنظمة الاستبدادية، وأخذت الشعوب تردد"نموت ويحيا الوطن"، والمقصود بالحقيقة "نموت ويحيا الحاكم"، الذي يعلن نفسه حاكما باسم الله والشعب والتاريخ، ثم لا يرضى من المواطنين بأقل من الولاء المطلق، والتأييد التام، والهتاف الدائم باسمه، بعد أن يحيط نفسه بكل مظاهر الجبروت والطغيان..

يستفرد المستبد الحاكم، الذي بات هو الدولة وهو الوطن، بكل أدوات الدولة ومقدرات الوطن، ومن أجل ديمومة طغيانه وجبروته، حوربت العقائد والأديان، وتشكلت فكرة العلمانية..وما لقيصر لقيصر، وما لله لله، وأعادوا الله يقوة العسكر، وجحافل الرفاق ورجال الأمن، الى المسجد وحجروه بين الباب والمحراب، وظهر دين جديد أسمه الوطن، الذي ذاب بالدولة أو ذابت فيه، لا فرق..!

من أجل الوطن ـ الدولة، أو الدولة ـ الوطن، تسلب الحريات، فالحرية للدولة التي لا يعلو عليها شيء، حتى الخالق جل في علاه، وشُنت على العقائد حروب التشويه والتقبيح، لأن الدولة ـ الوطن؛ لا تريد أن ترى طاعة لغيرها حتى لله تبارك وتعالى، ومن يخرج عن طاعة الحاكم، أو يعارض توجهاته، فإنه يكون قد خرج عن طاعة الله، لأن الحاكم هو الدولة وهو الوطن الإله..!

في "الدولة الإله" وتحت مسمى "حب الوطن"، علينا أن نقبل العفن السياسي، ونتعايش مع الفشل الاقتصادي، وتردي الخدمات وفقدان الأمن، وسوء الإدارة، ونصفق بحرارة للفساد والفاسدين ونحترمهم ونبجلهم..تاج تاج على الراس..

ثم تتم برمجة العقول، على أن كل هذا الوسخ هو الوطن، وأن حب الدولة والحاكم من حب الوطن، وبالتالي المساس بالحاكم والحديث عنه، نوعا من "التعريض" بالوطن!

كلام قبل السلام: الوطن مقدس، لأنه طاهر وحلو جميل مشرق وضاء، مثل ما هو؛ ركام وبيوت مهدمة وخرائب وعشوائيات وجوع وفقر، ووساخة وفوضوى وفشل، وكل مظاهر التعاسة والسوء..لأنه بات إله..!

سلام

 

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
التعليقات
رسول حسن..... كوفه
2021-03-15
اوافقك ياسيدي في كل ماذكرت من عموميات ولكن اثارني شيئ واحد عندما جئت بالهوسه المعروفه تاج... تاج على الراس وهذه الهوسه للسيد السيستاني لاغيره وليست للمتسكعين الذين كانوا في السلطه او بعض الجدد فاذا كنت لاتعرف هذا فانت معذور واذا كنت تقصد سماحة المرجع الاعلى كالذين ذكرتهم فلنا ملام اخر
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
----خلف ناصر عبد الله : اتمنى لكم التوفيق والسداد بحوث روعه غيتها اعلاء اعلام دين الله سبحانه:؟ ...
الموضوع :
تفسير "هذا صراطُ عليٍّ مستقيم" (الحجر: 41)
منير حجازي : العلاقات التي تربط البرزانيين بالكيان الصهيونية علاقات قديمة يطمح الاكراد من خلالها أن يساعدهم اليهود على إنشاء ...
الموضوع :
النائب مصطفى سند يُحرك شكوى ضد ممثل حكومة كردستان في المانيا دلشاد بارزاني بعد مشاركته احتفال في سفارة الكيان الصهيوني
منير حجازي : الاخت الفاضلة حياكم الله نقلتي قول (أنطوان بارا) في كتابه الحسين في الفكر المسيحي وهو يعقد مقارنة ...
الموضوع :
الحسين في قلب المسيح
ولي : بعد سنوات اليوم يقبل ابناء عنيفص منفذ المقابر الجماعية بحق الانتفاضة الشعبانية ١٩٩١ في الكلية العسكرية بينما ...
الموضوع :
محكمة جنايات بابل تحكم باعدام الارهابي رائد عنيفص العلواني قاتل 26 مواطنا ودفنهم في حديقة داره ببابل
زياد مصطفى خالد : احسنت تحليل واقعي ...
الموضوع :
مسرحية ترامب مع زيلنسكي والهدف الامريكي !!
ابو حسنين : انظرو للصوره بتمعن للبطل الدكتور المجاهد والصادق جالس امام سيد الحكمه والمعرفه السيد علي السستاني بكل تواضع ...
الموضوع :
المرجع الديني الأعلى السيد السيستاني يستقبل الطبيب محمد طاهر أبو رغيف
قتيبة عبد الرسول عبد الدايم الطائي : السلام عليكم اود ان اشكركم اولا على هذا المقال واستذكاركم لشخصيات فذة دفعت حياتها ثمنا لمبادئها التي ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
م خالد الطائي : السلام عليكم, شكرا لصاحب المقال, عمي مالك عبد الدايم الطائي: خريج 1970م، تخرج من كلية العلوم بغداد ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
ام زهراء : مأجورين باىك الله فيكم ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
علاء عبد الرزاق الانصاري : الاهم صلي على محمد وال محمد الطيبين الطاهرين ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
فيسبوك