المقالات

لماذا (رغد صدام) الآن؟


 

د. نعمه العبادي ||

 

انشغلت الكثير من وسائل الاعلام والفضاء العام بالحديث عن المقابلة التلفزيونية التي تجريها قناة العربية السعودية مع (رغد صدام) عبر ما سمته (مقابلة خاصة)، وفي حلقات مسلسلة، لا تزال القناة مستمرة في بثها، وقد انقسمت وجهات النظر حول ما تم طرحه من احاديث بين منزعج ومدين وساخر ومحذر وبين مشجع ومغالي وداعم، ولم اجد عرضاً تحليلياً يقارب الحدث بأدوات معرفية ويستكشف الماورائيات ويقييم الاهداف والمقاصد، ومع ان المقابلة بالقياس الى شخصية رغد ليست ذات اهمية حقيقية إلا انها بأضافة ملابسات وظروف محيطة ومعلومات محصلة، تقتضي التوقف عندها وعند ما جرى حولها، وأعرض لذلك عبر النقاط الآتية:

١- بحسب معلوماتي ان هناك اتفاقاً مع الاردن عندما جرى الحديث عن استضافتهم لعائلة صدام وبعض اتباعه مع الحكومة العراقية، تم الاشتراط على الاردن بعدم السماح لهم بمزاولة اي نشاط سياسي او امني او عسكري يستهدف العراق ونظامه السياسي، ولذلك تعد هذه المقابلة ومضمونها خرقاً لهذا الاتفاق، ويؤشر لتوجه جديد يحتاج الى اعادة قراءة.

٢- من الواضح ان الطريقة التي عرضت فيها القناة كواليس اللقاء وترتيباته وكذلك الاعلانات التي سبقته، انه تم بتنسيق عالي المستوى، وبتوجيه واشراف من البلاط الملكي الذي يشرف بشكل مباشر على القناة، وبحسب المعلومات المسربة، فإن المقابلة كانت بأمر مباشر من محمد بن سلمان، وقد تم تداول امرها حتى مع الاسرائليين بوصفهم جهة الاستشارة الامنية المهمة لابن سلمان في هذه الملفات التي لها صلة وثيقة بامن المنطقة.

٣- تضافرت معلومات مؤكدة على تواصل وتنسيق بين رغد ومحمد بن سلمان، وقد زارت السعودية في الاشهر الماضية مع مجموعة من العراقيين، وقد ارسلت لها طائرة خاصة لنقلها، كما تلقت دعماً مالياً سخيا منه، ويختلط الغرض الشخصي والعلاقة العاطفية مع المقاصد السياسية في تواصل ابن سلمان ورغد.

٤- على الرغم من الاهتمام بالمقابلة واخراجها إلا انها اسندت الى مقدم برامج من المستوى الثاني، وظهر ضعيفا في طرحه الاسئلة والحديث، كما ان رغد التي ظهرت بصورة محسنة عبر العديد من عمليات التجميل الواضحة، ومع حشدها للكثير من عناصر الاثارة مثل تعليق العلم العراقي والشعار الجمهوري والتصنع بلغة الاشارة إلا انها ظهرت هشة في المحتوى والصورة والمعطى.

٥- من الواضح ان هناك اتفاقاً مبدئيا، ان يجري اسلوب الاجابة في المقابلة بصيغة (المبني للمجهول)، حيث يحدف الفاعل ويرفع المفعول بدله، ومن اهم اغراضه تغييب الفاعل خوفاً منه او خوفاً عليه، فقد سردت الكثير من الاحداث وحاولت التهرب تماما من ذكر الفاعل، وحتى فيما يتعلق بالامريكان بل وبمجمل النظام السياسي العراقي الجديد، لم تقدم رغد على اطلاق كلمات مثيرة او عبارات عدوانية، وقد حاولت ان تعرض الافعال دون فاعليها، وقد استثنت ايران من هذه القاعدة، فقد ركزت عليها كفاعل بغض النظر عن الفعل، وهو امر يتوافق بشكل متطابق مع مقاصد الجهة الداعمة والراعية للنشاط.

٦- على المستوى الشخصي يعرف الكثير من المختصين ان احد الميزات الفارقة لعائلة آل مجيد هي الحقد والغيرة والتنافس غير الشريف مع اي شخص او جهة تبرز في دائرة المنافسة معهم، وتمتاز رغد بجرعة اكبر من هذه الصفات، وهو ما ادخلها في معارك مع الكثير من افراد الاسرة وخصوصا النساء، وفي هذه السياق اشير الى نقطة مهمة وهي احد الاسباب الجوهرية لهذه المقابلة المقدمة كمعادل مكافيء، فقد اعقب عملية اغتيال الشهدين (ابو- مهد-ي المهند-س وقا-سم سليما-ني) ظهور ابنتيهما (زينب ومنار) في مقابلات تلفزيونية ابرزها ما قدمته قناة الميادين مع الصحفي المميز غسان ابن جدو، وكانتا رمزيين نسائيين لامعيين، احتفى الكثير من الجمهور المحب لوالديهما بظهورهما، وقد وضح النضوج والثبات والاثر التربوي في شخصيتهما، كما عرضا لسيرة شخصية مميزة لوالديهما، والذين انتهت حياتهما بالشهادة على يد القوات الامريكية، ولذا كانت رغد الحالة المناظرة لهذا المشهد حتى انها حاولت تصوير والدها على نفس سيرة الشهيدين في لطافة التعامل المنزلي مما اثار انزعاج وسخرية طيف واسع من الجمهور الذي عهد بشكل واضح بطش صدام وقسوته.

  ٧- تحدث المحذرون والمطبلون عن دور مرتقب لرغد وحزب البعث وصار بعض السذج يتداولون ترشيحها في الانتخابات القادمة بل وكرئيسة وزراء، ولاهمية هذه النقطة احاول بسط الحديث فيها، فمن المهم ان يعرف القارىء بعض التفاصيل المهمة، فأما حزب البعث الايدلوجي فقد تم انهاءه كلياً قبل عام 1990 ولم يكن في العراق بعث كراسات الثورة العربية وفي سبيل البعث والمؤتمر القطري، بل تم تحويل المنظمات والفرق الحزبية الى مليشيات امنية وعسكرية وظيفتها تنحصر في هاتين المهمتين، وكان سلوك هذه الجهات الحزبية بعد انتفاضة عام 1991 بمثابة الانتقام لما جرى في عام 1991، وكذلك في اطار التحول الوظيفي للحزب، ولهذا تم افراغ الحزب كليا من اي محتوى أيدلوجي، واما النشاطات التي استعادت وضعها بعد عام 2003 فهي تشكيلات مليشياوية اشتغلت في اطار البحث عن مصادر للتمويل والمنافع الشخصية تحت لافتة العمل الجهادي، وقد تم توظيفها من قبل كل الاطراف والدول التي اشتغلت على الاضعاف المنظم للعراق، وساعد في الاستجابة لبعض نشاطها وحديثها، الاداء السيء وانتشار الفساد عقب نيسان 2003، وفي الحقيقة ان معظم رموز هذا النشاط لا يحبون شخص صدام، بل يوظفونه من اجل استعماله في رغباتهم، كما انهم لا يعترفون باي موقع لرغد ولكنهم يحاولون ركوب موجتها او استثمار كل ما يمكن تحصيله في ظل ما تثيره من لغط، ومحصلة القول ومع كل الملاحظات والمآخذ على النظام الحالي، فليس في بقايا البعث ولا لرغد اي مكانة او فرصة لممارسة دوراً للحكم او اي موقع قيادي بسبب الحصانة الذاتية الشعبية والمزاج العام الرافض كليا لهذه الاشكال والنماذج من الحكم.

٨- ان ردود فعل بعض السذج او المغرضين التي اظهرت الترحيب بقدوم رغد او البعض معظمها ينطبق عليه، ما قيل قديما (ليس حباً بمعاوية وانما بغضاً بعلي)، وهي مواقف تشكلت في ظل فشل التجربة السياسية في الكثير من جوانبها، لذلك دفعت الجمهور الى الترحيب بالتطبيع تارة وبالبعثيين تارة اخرى، وهي مؤشرات سبق وان حذرنا منها كثيرا، وطالبنا الجميع بمراجعة منهجه وسيرته في الاداء قبل فوات الاوان.

٩- من الواضح ان تحالف (رغد- ابن سلمان) يندرج في ذات السياق الذي تبناه ابن سلمان ومعظم القيادات الخليجية في الرغبة المؤكدة لأبقاء الواقع العراقي في حالة تشويش واضطراب وتوظيف عناصر الاثارة واللعب بمشاعر الجمهور من خلال الخطاب الطائفي، كما ان هذا التوجه يتحرك في اطار الرغبة لدفع وتقوية بعض الاطراف من خلال الانتخابات وتقوية حظوظهم في القادم المرتقب، وهي عملية تخادمية اشرت الى وجود وفاق داخلي من بعض الاطراف لاظهار هذه المقابلة في هذا التوقيت إلا ان تلك الجهات فاتها، ان الاطراف السياسية التي تريد اقصائها او اضعاف وجودها في المشهد، استثمرت هذه المقابلة بطريقتها الخاصة لتحويلها الى مادة تخويف لجمهورها ودفعهم لاعادة انتخابهم والاصطفاف معهم وتجاوز الموقف السلبي الذي تشكل تراكميا تجاه اداء الاحزاب السياسية المنخرطة في السلطة والحكم.

١٠- ظهرت العلاقة النفعية التخادمية والرغبة الشخصية والعاطفية بين ابن سلمان ورغد بطريقة غريبة، بحيث غض السعوديون الطرف عن دور صدام ونظامه وموقفهم الحاد منه (وهي حالة تكشف بوجه آخر لها، الموقف الخفي لابن سلمان من الكويت وعدم انسجامه معها)، وتناست رغد، ان الاصل في ازالة نظام ابيها وكل ما جرى في العراق كان على يد السعوديين بالدرجة الاساس، فهل تعلم رغد ان (ما كان يسمى بإذاعة العراق الموجهة ضد النظام آنذاك والتي كان يشاع انها تبث من اوربا، قد اتخذت من قصر الامير تركي مدير المخابرات السعودية في الخالدية في جدة، مقراً لها، وكانت تدار بالاشراف والتنيسق بين المخابرات الكويتية والسعودية والامريكية واستمرت على هذا الحال من عام 1990  وحتى عام 1998 وكانت من ابرز المحطات المعارضة للنظام)، فضلا عن الدور السعودي المحوري في كل القرارات الاممية الصارمة التي صدرت ضد العراق وكذلك تسهيل مرور الاحتلال مؤخرا، وحجم التنسيق والعلاقة الامريكية السعودية، ومع كل هذه التركة من العداء، اجتمع الطرفان على مائدة براغماتية دسمة.

١١- بالمقاييس الاستراتيجية، من المعهود عن السعودية تخليها السريع وغير المبالي عن ادواتها واذرعها، خصوصا عندما تأتي الاشارة بفعل ذلك من الاعلى، لذلك لن يكون هذا الزواج كاثوليكا، ولكنها علاقة خطرة خصوصا اذا نجحت في نقل رغد وقطيعها الى مصر وهو ما تحاول العمل عليه، ومن المهم اخذ هذا النشاط بعين الاعتبار والمتابعة.

١٢- من المهم استثمار هذه المناسبة للتذكير بالخطيئة العظيمة التي ارتكبها الاداء السياسي والحكومي السيء خلال العقد والنصف المنصرم، والذي اظهر قباحة النظام السابق بوجه حسن جراء سوء الصورة التي خلفها في اذهان العامة، واصبح الناس تقارن بأريحية بين الماضي والحاضر مع علمهم بحجم الدمار والخراب الذي لحق بالبلد والناس جراء السياسات الجائرة والظالمة للانظمة السابقة، وهي قضية تحتاج الى وقفة شجاعة من كل اطراف مقاولات السلطة.

١٣- ختاما لا بد من وخزة شجاعة للاطراف الراعية والآذنة بهذا النشاط مثل استضافة معارضين سعوديين واردنيين ذوي تاريخ جيد في مقابلات تلفزيونية..

ارجو ان استوفيت كل ما اتصل بهذا الحدث.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3846.15
يورو 1754.39
الجنيه المصري 93.02
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 2040.82
دينار كويتي 4761.9
ليرة لبنانية 0.96
ريال عماني 3846.15
ريال قطري 400
ريال سعودي 389.11
ليرة سورية 2.85
دولار امريكي 1449.28
ريال يمني 5.83
التعليقات
لفيف عن مدينة الموصل : السلام عليكم ورحمة ألله وبركاته :- 📍م / مناشدة انسانية لايجاد موقع بديل لمركز شرطة دوميز زمار ...
الموضوع :
دائرة شؤون المواطنين في الأمانة العامة لمجلس الوزراء تستقبل شكاوى المواطنين عبر موقعها الإلكتروني
مواطنة : احسنتم كثيرا ً رحم الله الشيخ الوائلي طريقة الحياة العصرية الان وغلاف الغفلة الذي يختنق فيه الاغلبية ...
الموضوع :
لماذا لا زلنا الى اليوم نستمع لمحاضرات الشيخ الوائلي (قدس)؟!
مواطنة : قصص ذرية الامام موسى ابن جعفر تفوح بالاسى والمظالم ز لعن الله الظالمين من الاولين والاخرين ...
الموضوع :
قصة السيد ابراهيم المجاب … ” إقرأوها “
مواطن : الواقع العراقی یحکی حال اخر للمعلم بکسر المیم ! ...
الموضوع :
كاد المعلم ان يكون..!
صفاء عباس الغزالي : بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم ياكريم وكيف لا وهوه زوج ...
الموضوع :
الامام علي وتكريمه من قبل الامم المتحدة
مازن عبد الغني محمد مهدي : السلام عليكم سيدنه المحترم,,نسال الله بحق الرسول ابو القاسم محمد واله الاطهار المطهرين المظلومين ان يلعن اعداء ...
الموضوع :
التاريخ الاسود لحزب البعث الكافر/7..انتصار المظلوم
مازن عبد الغني محمد مهدي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نسال الله العزيز الرووف بحق نبينا نبي الرحمة ابو القاسم محمد واله ...
الموضوع :
اصابة اية الله العظمى الشيخ محمد اسحاق الفياض بفايروس كورونا
مازن عبد الغني محمد مهدي : السلام عليكمورحمة الله وبركاته ,, نسال الله عز وجل بحق نبينا ابو القاسم محمد واله الاطهار المطهرين ...
الموضوع :
أعداء العراق يتوحدون ويتحالفون ويعلنون الحرب على العراق والعراقيين
زيد مغير : السيدة الكريمة سميرة الموسوي مع التحية . فقط ملاحظة من مذكرات العريف الان بدليل من الفرقة ١٠١ ...
الموضوع :
بئست الرسالة ،والمرسلة؛ النفاية رغد القرقوز.
طاهر جاسم حنون كاضم : الله يوفقكم ...
الموضوع :
قصة السيد ابراهيم المجاب … ” إقرأوها “
فيسبوك