المقالات

اعياد غاب طعمها 

492 2018-08-20

حميد الموسوي
في خمسينات وستينات وحتى سبعينات القرن الماضي -وعلى حد مخزون ذاكرتنا طفولة وصبا وشبابا- كان للاعياد طعم ونكهة وقدسية، يتساوى في هذه المشاعر الصغار والكبار الرجال والنساء يحتفل بها الفقراء والاغنياء وان اختلفت الزينة والبهارج وتفاوتت الامكنة والموائد، يحييها ويبتهج بها المسلمون والمسيحيون والصابئة والايزيديون مع اختلاف الازمنة والمناسبات والشعائر والطقوس.
الجميع يستعدون للعيد قبل ايام، ميزانية العيد خاصة.. الفقراء يقترضون ليلبسوا اطفالهم الجديد من الملابس وليضعوا تحت وسائدهم او قرب اسرّتهم هدايا بابا نوئيل، يحذفون جزءا من المصروف اليومي للمنزل كي تعجن ربت البيت "كليجة" العيد بيديها، مراسيم تنظيف البيت خاصة ومكثفة ومركزة.
جدول زيارات الاهل والاقارب والجيران والاصدقاء مزدحم وان بعدت المسافات وشحّت وسائط النقل، يفرغ الكبار ما تبقى في جيوبهم ليقدموه "عيدية" للاطفال.. اولادهم واولاد اقربائهم وجيرانهم اتماما لفرحة العيد في وسائل اللهو البريئة.. وجاءت فترة الثمانينات لتنصب في كل بيت مأتما مفجعا، ولتسدل على كل جدار لافتة سوداء تنعي شهيدا، وتشق في كل قلب جرحا، وتغرس في كل صدر سكينا، وتفتح في كل عين ينبوعا، وتحفر في كل ذاكرة اسما ورسما لأعزة واحبّة وفلذات اكباد حرموا فرحة العيد ونشوته فتحولت فجيعتهم الى حرمان دائم شمل الاباء والامهات ، والاخوة والاخوات ، والبنين والبنات ، والزوجات والخطيبات والحبيبات. اتصلت تداعياتها وفجائعها الكارثية بحقبة التسعينات وختام القرن العشرين. وقبل اندمال الجراح التي استعصت على الشفاء، ومع استبشار الثكالى بنهاية فصول الماساة، وهطول رذاذ يغسل الاحزان، وبصيص امل يكفكف الدموع، وكأن العراقيين على موعد مع الاحزان، وكأن الاشقاء يستكثرون عليهم الامن والاستقرار والامان، اذ قبل ان يتذوقوا ثمار الحرية ويتحسسوا نسائمها فتحت عليهم بوابات الجحيم وفوهات البراكين ولكل اسبابه.. ولكل ثأره.. ولكل هدفه. اسدل الستار على فصول مأساة الحروب العبثية والمقابر الجماعية السرية، لينفتح الزمن على فصول جديدة من تراجيديا الحزن العراقي السرمدي ،ادواتها: مفخخات وعبوات، وصورها مقابر جماعية معلنة، ولافتاتها وفلكساتها تنعي الاسماء بالجملة، فصول تلت فصول ،اضاف لها مسوخ القرن الجديد مشاهد ومشاهد... تهجير، تشريد، خطف، اقتحام بيوت العبادة واقدس المقدسات والخوض في دماء مصليها حتى الركب وباساليب لم تخطر على بال البرابرة والوحوش. وهكذا .. تحولت ايام العراقيين الى صوائح تتبعها نوائح، لينسحب الاسى وتنعكس الصورة على الاعياد، فتحولت هي الاخرى الى طقوس تفيض لوعة، وجدول زيارات يطل على المقابر.. "كليجة توزع على ارواح الاحبة الغياب".
ما كان لي ان اطل على عيد الفطر بهذه الاطلالة المنابرية، واستقبله بهذه المعزوفة الجنائزية، ولكن ما حيلتي ودماء الاحبة مازالت تضمخ خارطة العراق حتى صارت ارجوانية اللون والطعم والرائحة ...
ما حيلتي ودماء الشباب الحلوين مازالت تسقي جبهات القتال ،وتزين مقاهي ومطاعم بغداد الحبيبة وارواحهم تترقب المارة والجلاس تسالهم عن هلال العيد؟!.
عيد سعيد للبرلمانيين والمسؤولين الذين تركوا شعبهم بفواجعه وراحوا يحجون للمرة السابعة ويبددوا اموال العراقيين في مملكة الشر ليحولها بنو سعود الى قذائف تنهال على شعب اليمن المظلوم ،وتمد بها الدواعش ليلحقوا المزيد من الذبح والدمار في العراق وسوريا وليبيا وافغانستان . عيد سعيد للبرلمانيين والمسؤولين الذين تركوا فقراء الوطن يتحسرون على ماء يشربونه وكهرباء يدفعون بها لهيب صيفهم القائض وراحوا يقضون العيد جذلين مع عوائلهم المترفة في منتجعات اوربا.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3125
يورو 1333.33
الجنيه المصري 73.42
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 1694.92
دينار كويتي 4000
ليرة لبنانية 0.79
ريال عماني 3125
ريال قطري 327.87
ريال سعودي 317.46
ليرة سورية 2.32
دولار امريكي 1190.48
ريال يمني 4.76
التعليقات
مصطفى : ازالة بيوت الفقراء ليس فقط في كربلاء حتى تصور للناس الوضع الامني الخطير كما تزعم اتقوا الله ...
الموضوع :
الى المدافعين عن التجاوزات في كربلاء والبصرة..الوضع خطير جدا
محمد سعيد : عزيزي كاتب المقال ماتفضلت به صحيح ولكنك اهمل جانب جدا مهم وهو المستوى العلمي فكيف يكون مستوى ...
الموضوع :
دعوة لكسر قيود الدراسات العليا
ابرهيم : سعد الزيدي اسم لم نسمع عنه في الحكومات العراقية ولا في اروقة السياسة والصخب والنهب لذا اتسائل: ...
الموضوع :
طريق الحرير
رسل باقر : امكانية دراسة المجموعه الطبيه للمعدلات اقل من 80 على النفقه الخاصه ...
الموضوع :
العتبة الحسينية تدعو الطلبة الراغبين بدراسة الطب في جامعة عالمية إلى تقديم ملفاتهم للتسجيل
Aqeel : شركه زين العراق شركه كاذبه ولصوص في نفس الوقت تتشترك في الانتر نت الاسبوعي او الشهري او ...
الموضوع :
هيئة الاتصالات تخصص رقماً للمشتركين للشكوى على شركات الهواتف
سيد محمد : موفق ان شاء الله ...
الموضوع :
القانون المنفرد...
Abbas alkhalidi : ماهيه صحة المعلومات وهل للكمارك علم ب هذه الأدوية أم هناك جهات تقوم بالتهريب متنفذه ولها سلطة ...
الموضوع :
إحباط عملية تهريب أدوية فاسدة عبر مطار النجف
سيد عباس الزاملي : سلام الله عليك ياأبا الفضل العباس ع ياقمر بني هاشم الشفاعه ياسيدي و مولاي ...
الموضوع :
ملف مصور مرفق بفيديو: تحت ضريح إبي الفضل العباس عليه السلام..!
أمجد جمال رؤوف : السلام عليكم كيف يمكنني أن أتواصل مع الدكتور طالب خيرالله مجول أرجوكم ساعدوني وجزاكم الله خير الجزاء ...
الموضوع :
اختيار الجراح العراقي طالب خير الله مجول لاجراءعمليتين في القلب في مؤتمر دولي بباريس
صباح عبدالكاظم عبد : شكرا لمديرية المرور على هذة الخدمة انا مليت الاستمارة وحصلت على التسلسل كيف اعرف موعد المراجعة ...
الموضوع :
المرور تدعو الى ادخال بيانات الراغبين بالحصول على اجازة السوق من خلال موقعها الالكتروني
فيسبوك