المقالات

أقلام تعبُد الأصنام


علي الغراوي

" القلم والبُندقية فوهة واحدة"لازلت أتذكر تلك المقولة الحربية في سني الخوف من النظام المُباد؛ حيث كان أصحاب الأقلام المُزيفة يُعلقونها وشاحاً على أعناقِهم في حلِهم وتِرحالِهم، وعنواناتِهم الصحفية ملونة بألوان بعثية، ومقتبسة من أقوال صدام( حفظه الله ورعاه!) فلا يمكن التمييز بين الغث والسمين مِن بينهم، فأحبار أقلامهم ساطعة بلونها الزيتوني الموحد، وتُمسكُ بها يد خائفة مطيعة، وما عليها سوى التنفيذ لما تقولهُ الأصنام دون تردد، فتردد القلم عن ما يرغب به الإله لايختلف عن بُندقية هُزمت من الحرب، ورجعت مذعورة خائفة. بعد أن كُسرت هذه الأقلام، وزال لونها الصدامي، ونشوب عهدٍ جديد من ( اليمُعراكية) التي جاء بها الفرقاء السياسيين، والراسخون بعلم السياسة! تحولت اليد المُرتعشةُ من الخوف التي كانت تقود الأقلام الزيتونية في تأديتها فريضة التعبُد لِصنمها الى يدٍ سليطة ومسيسة بثمن بين أصابعها قلمٌ متُملق يُسطر الزيف؛ يد ترسم حواضنها بثوب البراءة، وتُبطن الفشل أو( الفشلات) على قول أحد الكُتاب؛ ولا تكتفي بذلك فحسب؛ بل تُروج لما يُثلج صدور أسيادها، فتارةً تُمجد أربابها، وتجعلهم مثالاً للعفةِ والنزاهة، وتارةً أخرى تبِثُ السُم بِتسقيط من يتعارض مع سياسة الأرباب؛ لاعجب في ذلك! فلو كان الإعلام نزيهاً من رجس الشياطين لما خُلد يزيد في نفوس الخوارج، ولو كان أميناً من يد الخونة لما أصبح صدام القائد الضرورة عند عملاء العرب، ولو كان شريفاً من يد السُفهاء لما اعتلى الفاسدون دفةِ الحُكم؛ لاغريب في إعلامٍ ينساق بعصيِ إلِهته، فكل شي يُباع ويُباح في بلدٍ يتذوق كل يوم باقةً من الحزن، وكوبٍ من الهم؛ فتُعرض فيه ذِمم للبيع، وكرامة للبيع، وبقايا إنسان للبيع؛ الأمس كان الإعلام جائعاً يسُد رمقهُ برغيف الخبر الأسمر، ويُزق بِفمه الشاي المُحلى بالتمر بدل السكر ليُغرد مع سرب البعث المقبور دون تردد؛ واليوم يتذوق الشهد، وينغمِس في الثراء والنعيم بين أحضان دافئة تقودهُ لما تريد بما يخدم مصالحها النفعية الضيقة، فتحول ذلك الخوف من الجبابرة الى مزايدة وشراء للذِمم، وأصبحت الوطنية مفهوماً مغلوط يُتاجر به، ويجعلوه غشاء يحجب خيانتهم لبلدهم، ويخفوا الحقيقة في ليلٍ حالك لكي لايراها الناس. لقد طاولَ الأخيرةُ السأم والضرر من العبارات الملونة، وهي تغوص في حوض الإقوال دون الأفعال؛ فليس كلما يُقرأ من جذبٍ وشد وتسقيط يؤخذ به؛ طفح الكيل لدى الناس، ودقَ الجرس في إذهانِهم، فالشعب الذي لا تخدمهُ حواضن الإقلام المدفوعة الثمن لاتستحق أن تُمثله.

 

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
التعليقات
كاره الاصنام
2013-12-18
استبشرنا خيرا بعد سقوط الصنم الاكبر في العراق ولكن تفاجئنا بظهور العديد من الاصنام الكبيرة و الصغيرة والمتوسطة بمختلف الاحجام و التوجهات ، والادهى من ذلك هو التوجه نحو هذه الاصنام من مكونات الشعب الذي يبدو انه ﻻ يستطيع العيش دون اصنام
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
----خلف ناصر عبد الله : اتمنى لكم التوفيق والسداد بحوث روعه غيتها اعلاء اعلام دين الله سبحانه:؟ ...
الموضوع :
تفسير "هذا صراطُ عليٍّ مستقيم" (الحجر: 41)
منير حجازي : العلاقات التي تربط البرزانيين بالكيان الصهيونية علاقات قديمة يطمح الاكراد من خلالها أن يساعدهم اليهود على إنشاء ...
الموضوع :
النائب مصطفى سند يُحرك شكوى ضد ممثل حكومة كردستان في المانيا دلشاد بارزاني بعد مشاركته احتفال في سفارة الكيان الصهيوني
منير حجازي : الاخت الفاضلة حياكم الله نقلتي قول (أنطوان بارا) في كتابه الحسين في الفكر المسيحي وهو يعقد مقارنة ...
الموضوع :
الحسين في قلب المسيح
ولي : بعد سنوات اليوم يقبل ابناء عنيفص منفذ المقابر الجماعية بحق الانتفاضة الشعبانية ١٩٩١ في الكلية العسكرية بينما ...
الموضوع :
محكمة جنايات بابل تحكم باعدام الارهابي رائد عنيفص العلواني قاتل 26 مواطنا ودفنهم في حديقة داره ببابل
زياد مصطفى خالد : احسنت تحليل واقعي ...
الموضوع :
مسرحية ترامب مع زيلنسكي والهدف الامريكي !!
ابو حسنين : انظرو للصوره بتمعن للبطل الدكتور المجاهد والصادق جالس امام سيد الحكمه والمعرفه السيد علي السستاني بكل تواضع ...
الموضوع :
المرجع الديني الأعلى السيد السيستاني يستقبل الطبيب محمد طاهر أبو رغيف
قتيبة عبد الرسول عبد الدايم الطائي : السلام عليكم اود ان اشكركم اولا على هذا المقال واستذكاركم لشخصيات فذة دفعت حياتها ثمنا لمبادئها التي ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
م خالد الطائي : السلام عليكم, شكرا لصاحب المقال, عمي مالك عبد الدايم الطائي: خريج 1970م، تخرج من كلية العلوم بغداد ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
ام زهراء : مأجورين باىك الله فيكم ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
علاء عبد الرزاق الانصاري : الاهم صلي على محمد وال محمد الطيبين الطاهرين ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
فيسبوك