التقارير

"متلازمة هلسنكي".. السعودية تبحث عن توازن جديد وإيران تفرض معادلة الأمن الإقليمي


في تحليل سياسي موسع، ترى الكاتبة كسينيا لوغينوفا في صحيفة "إزفيستيا" الروسية أن المبادرة السعودية الهادفة إلى إنشاء ميثاق عدم اعتداء مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية تمثل تحولاً استراتيجياً كبيراً في رؤية دول الخليج للأمن الإقليمي، وتعكس إدراكاً متزايداً بأن الحروب المتواصلة والمشاريع الأمريكية ـ الصهيونية لم تجلب للمنطقة سوى الفوضى وعدم الاستقرار.

وتشير الكاتبة في التقرير ، إلى أن الرياض تحاول استنساخ نموذج "اتفاقيات هلسنكي" التي خففت التوتر خلال الحرب الباردة، لكن هذه المرة في بيئة شرق أوسطية شديدة التعقيد، حيث تتصادم المصالح الأمريكية والصهيونية مع محاولات بناء منظومة أمن مستقلة تقودها قوى المنطقة نفسها، وفي مقدمتها إيران.

توضح الكاتبة أن المملكة العربية السعودية بدأت بالفعل مناقشات مع حلفائها حول إمكانية إنشاء ميثاق عدم اعتداء بين العواصم العربية وطهران بعد انتهاء الحرب الأمريكية ـ الصهيونية على إيران، وفق ما نقلته صحيفة فايننشال تايمز عن دبلوماسيين غربيين.

وتشير إلى أن النموذج المطروح يستند إلى اتفاقيات هلسنكي لعام 1975، التي وُقعت بين الاتحاد السوفيتي والدول الغربية خلال الحرب الباردة بهدف خفض التوتر ومنع الانزلاق نحو مواجهة مباشرة. وعلى الرغم من أن تلك الاتفاقيات لم تكن ملزمة قانونياً، فإنها تحولت لاحقاً إلى قاعدة لإنشاء منظمة الأمن والتعاون في أوروبا وأصبحت إحدى ركائز سياسة الانفراج الدولي آنذاك.

وتلفت الكاتبة إلى أن الدول الأوروبية سارعت إلى دعم المبادرة السعودية، لأنها ترى فيها فرصة لتقليل احتمالات اندلاع حرب جديدة، وضمان أمن الطاقة، والحفاظ على حرية الملاحة في مضيق هرمز.

وفي المقابل، توضح الكاتبة أن العواصم العربية لا تزال تبدي قلقاً من البرنامج الصاروخي الإيراني والطائرات المسيّرة، إضافة إلى علاقات طهران مع قوى المقاومة في المنطقة. ومع ذلك، تؤكد مصادر دبلوماسية أن أغلب الدول العربية والإسلامية قد تؤيد هذا الاتفاق، وكذلك إيران نفسها.

غير أن الكاتبة تشير إلى معضلة مركزية تعيق المشروع، وهي استحالة جمع إيران والكيان الصهيوني ضمن اتفاق واحد في ظل الحرب الدائرة في غزة والاعتداءات المستمرة على لبنان. وتضيف أن استبعاد الكيان الصهيوني من أي منظومة أمنية قد يجعل الاتفاق ناقصاً، لكنه في الوقت نفسه يعكس حقيقة أن كثيراً من دول المنطقة باتت ترى في سياسات تل أبيب مصدراً رئيسياً للتوتر وعدم الاستقرار.

كما تلاحظ الكاتبة أن الإمارات العربية المتحدة، رغم علاقاتها المتنامية مع الكيان الصهيوني ومواقفها المتشددة تجاه إيران، أبدت استعداداً للمشاركة في هذه التفاهمات، في مؤشر على تنامي القلق الخليجي من انفجار إقليمي واسع.

وتتابع الكاتبة أن الرياض تدعم بالتوازي جهود الوساطة التي تقودها باكستان لمحاولة التوفيق بين واشنطن وطهران، رغم أن العلاقات السعودية الإيرانية نفسها شهدت مؤخراً توتراً وتصعيداً سرياً، تحدثت تقارير إعلامية عن تبادل ضربات خلاله، قبل أن يعود الطرفان إلى مسار الحوار وخفض التوتر.

وترى الكاتبة أن اختيار نموذج هلسنكي ليس عشوائياً، بل يعكس رغبة سعودية في بناء “قواعد اشتباك” جديدة تمنع تحول المواجهات المحدودة إلى حرب شاملة، حتى دون الوصول إلى سلام كامل مع إيران. وتشرح أن الفكرة الجوهرية تقوم على الاعتراف المتبادل بمجالات النفوذ والالتزام بعدم الاعتداء، بما يسمح بإدارة الخلافات بدل تفجيرها.

وتلفت إلى أن هذا الطرح ينسجم إلى حد كبير مع الرؤية الإيرانية التقليدية، التي تؤكد أن أمن المنطقة يجب أن يُصاغ بأيدي دولها، بعيداً عن الهيمنة الأمريكية. كما أن طهران قد تنظر إلى هذا الاتفاق باعتباره اعترافاً عملياً بمكانتها الإقليمية ودورها المركزي في معادلات الشرق الأوسط.

لكن الكاتبة تؤكد أن العقبات أمام المشروع لا تزال ضخمة. فسلطات الكيان الصهيوني ترى أن أي اتفاق أمني إقليمي لا تشارك فيه تل أبيب يمنح إيران هامش حركة أوسع، ويقيد قدرة الاحتلال على شن عمليات عسكرية مستقبلية.

كما تشير إلى وجود انقسام واضح داخل المعسكر العربي نفسه، خاصة بين السعودية والإمارات، إذ تتبنى أبو ظبي موقفاً أكثر تشدداً تجاه إيران، وتسعى إلى توسيع تحالفها العسكري مع الكيان الصهيوني، ما يتعارض مع التوجه السعودي نحو “إعادة ضبط” العلاقات مع طهران.

وتوضح الكاتبة أيضاً أن مسألة الالتزام بأي اتفاق تبقى موضع شك، خصوصاً في ظل انهيار الكثير من الضمانات الدولية خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت الاتفاقيات المتعلقة بالسيادة وعدم استخدام القوة عرضة للتجاهل بمجرد تغير الظروف السياسية.

ومن هنا ترى الكاتبة أن المبادرة السعودية لا تزال أقرب إلى إعلان نوايا واختبار للبيئة السياسية منها إلى مشروع متكامل قابل للتنفيذ الفوري، خاصة في ظل غياب الكيان الصهيوني عن أي طاولة تفاوضية مشتركة مع إيران.

وفي السياق ذاته، ينقل التقرير عن الباحث الروسي دانيلا كريلوف قوله إن إيران هي الطرف الذي تعرض للعدوان، وإن طهران لم تبدأ الحرب بل ردت على الهجمات الأمريكية والصهيونية، متسائلاً عن مدى أحقية بعض الدول العربية في اتهام إيران بالتصعيد بينما تستضيف منظومات دفاعية صهيونية مثل “القبة الحديدية”.

ويشير كريلوف إلى أن الاتفاقيات الجماعية في الشرق الأوسط غالباً ما تفشل، ولهذا فإن أي تفاهمات مستقبلية قد تكون أكثر فعالية إذا بُنيت على أساس ثنائي مباشر بين إيران وكل دولة خليجية على حدة، بدلاً من صيغة جماعية واسعة.

أما الباحثة الروسية إيلينا بانينا فترى أن أي ميثاق لن ينجح ما دامت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني يمثلان المصدر الأساسي للتصعيد والحروب في المنطقة.

وتشير إلى أن إيران ستطالب حتماً بخروج القوات الأمريكية والصهيونية من أراضي دول الشرق الأوسط، وهو مطلب يصعب تحقيقه بسبب الارتباطات الأمنية والعسكرية القائمة بين واشنطن وبعض الأنظمة الخليجية.

وتحذر بانينا من أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني قد يلجآن إلى سيناريو أكثر خطورة يقوم على استهداف البنية النفطية والغازية في الخليج، بحيث تضرب واشنطن وتل أبيب منشآت إيران، بينما ترد طهران باستهداف منشآت حلفائهما الإقليميين.

وتختم الكاتبة بأن دول الخليج تجد نفسها اليوم رهينة لسياسات التقارب مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، حيث تُستخدم أراضيها ومصالحها ضمن مشاريع الصراع الكبرى، بينما لا تؤخذ هواجسها الأمنية الحقيقية بعين الاعتبار، الأمر الذي يدفعها للبحث عن معادلات أمنية جديدة قد تكون إيران أحد أعمدتها الأساسية.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
Dhia Taher : السيد الوزير الطاقة في بريطانيا عندما لا تتوفر قوانيين دولية لدى امريكا وإسرائيل تلجا امريكا ومعھا إسرائيل ...
الموضوع :
بريطانيا: لن نشارك في حرب لا أهداف واضحة لها وخطتنا خفض التصعيد
Dhia Taher : استاذ انت مريض بالاخبار يقولون عليك لديك رعشھ مثل جورج دبليوا بوش الصغير ...
الموضوع :
وزير الحرب الأمريكي: نعمل وفق خطة لتدمير القدرات العسكرية الإيرانية
سامي جواد : نسيت ان انبه ان حتى الدولة العثمانية المستبدة هي أيضا من أوربا ...
الموضوع :
تاريخ اسود للارهاب الاوربي في الوطن العربي
غانم الجبوري : مابعد النار المشرقيه هل تتبعها معركه قرقيسيا ...
الموضوع :
النار المشرقية نار الفرج، فرج آل محمد..!
طاهر باقر : انا استغرب لماذا لابد ان يقدم شاب عراقي على الانتحار من اجل مسألة تافهة مثل هذه القضية ...
الموضوع :
انتحار طالب بعد عودته من الامتحان في واسط
باقر : والنعم من النواصب الدواعش والجولاني ..... والنعم من اتباع الصحابة ...
الموضوع :
الاردن يطرد عدد من اطفال غزة المصابين وعوائلهم بحجة ان الاردن مفلس
علي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نتمنى من أدارة المطار أن تسمح بدخول السيارات لأستقبال المسافر لأن نحن ...
الموضوع :
وزارة النقل تعلن قرب افتتاح ساحة النقل الخاص بمطار بغداد الدولي
الحسين بن علي : الحفيد للجد السعيد ياجد عُد فكلنا اشتقنا لرؤياك وضحكة محياك ياعذب الماء ...
الموضوع :
صورة لاسد المقاومة الاسلامية سماحة السيد حسن نصر الله مع حفيده الرضيع تثير مواقع التواصل
باقر : انت غلطان وتسوق الاوهام.... حثالات الأرض هم أهالي تكريت والانبار وديالى والموصل.... ...
الموضوع :
حماقة البعث والوجه الآخر لتكريت.
ضياء عبد الرضا طاهر : حبيبي ھذا الارھابي محمد الجولاني ھو مثل جورج دبليوا بوش الصغير وترامب صعد وصار رئيس واستقبال حافل ...
الموضوع :
صورة للارهابي ابو محمد الجولاني عندما كان معتقلا في سجن بوكا عام 2005
فيسبوك