الصفحة الإسلامية

الاسيرة والملك

229 2026-01-07

طاهر باقر

 

اذا طرقت اسماعك كلمة الاسير تتداعى معها كلمات مثل الخنوع والخضوع والانكسار وفي حكاية هي من اغرب حكايات التاريخ قلبت السيدة زينب بنت علي بن ابي طالب عليها السلام هذه المفاهيم المنكسرة في موقفها الشجاع والبطولي امام اكبر طغاة الارض هو يزيد بن معاوية.

قصة غريبة الى درجة يصعب تصديقها، اقرؤوا تاريخ الملوك وقصص الاسرى شاهدوا جميع الافلام الواقعية والدرامية التي تحتوي على مشاهد يظهر فيها اسرى ستجدون انها مطابقة تماما لواقع الانكسار والضعف والهزيمة ولن تجدوا قصة شبيهة لموقف السيدة زينب سلام الله عليها وهي تخاطب يزيد بتلك الكلمات القوية وبتلك النبرة العالية حتى يظن الظان ان يزيد هو الاسير وزينب هي الاميرة!

لقد حاول يزيد في بادئ الامر ان يتصرف كبقية الاباطرة والملوك الذين ينتشون ويتفاخرون بالنصر الذي حققوه في المعركة فاخذ يضرب بمخصرته ثنايا اباعبد الله الحسين عليه السلام وهو يقول:

ليـــت أشيـــــاخي ببــدر شهـدوا *** جـزع الـخـزرج مـن وقــع الاســل

لأهلــــوا واستهــــلوا فــرحــاً *** ثم قــــالوا يــــا يـزيد لا تشــل

لعــــبت هــــاشم بالمـــلك فــلا ***خــــبر جــــاء ولا وحـي نــزل

وهنا نهضت السيدة زينب سلام الله عليها لتهز عرش الطاغية بايات مرجرجات وبكلمات صاعقات نزلت على هامة يزيد فلم يدر جوابا وهو المعروف بشعره وادبه اصبح عاجزا عن مجارات السيدة زينب فقالت: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى جَدِّي سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، صَدَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ كَذَلِكَ يَقُولُ: (ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّوء أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ).(1)

وهي بهذا الكلمات عرفت عن نفسها لمن يجهلها من الحاضرين في مجلس يزيد انها من سلالة النبيين وان جدها رسول الله صلى الله عليه وآله وصار لزاما وفق هذا المدعى ان يبرر الطاغية امام الجماهير الحاضرة ماارتكبه بحق السلالة النبوية، لكنه كيف سيجرء ويغير نمط كلامه بعد ان جهر بالكفر وتشكيكه بوحي السماء فجاءت الآية موافقة لحالته وكاشفة عن خبايا سريرته التي اضمر من خلالها الكفر واظهرتها ابيات شعره فيزيد هو الذي اساء السوء وكانت عاقبة امره ان كذب برسالة النبي الاكرم واستهزائه بالوحي.

وابتدرت في مقدمة خطبتها بنسف اوهام النصر التي تخيلها لنفسه وجيشه في معركة خاسرة بالمعاني السماوية فقالت:

أَظَنَنْتَ يَا يَزِيدُ حِينَ أَخَذْتَ عَلَيْنَا أَقْطَارَ الْأَرْضِ، وَضَيَّقْتَ عَلَيْنَا آفَاقَ السَّمَاءِ، فَأَصْبَحْنَا لَكَ فِي إِسَارٍ، نُسَاقُ إِلَيْكَ سَوْقاً فِي قِطَارٍ، وَأَنْتَ عَلَيْنَا ذُو اقْتِدَارٍ، أَنَّ بِنَا مِنَ اللَّهِ هَوَاناً وَعَلَيْكَ مِنْهُ كَرَامَةً وَامْتِنَاناً؟؟ وَأَنَّ ذَلِكَ لِعِظَمِ خَطَرِكَ وَجَلَالَةِ قَدْرِكَ؟؟ فَشَمَخْتَ بِأَنْفِكَ وَنَظَرْتَ فِي عِطْفٍ، تَضْرِبُ أَصْدَرَيْكَ فَرِحاً وَتَنْفُضُ مِدْرَوَيْكَ مَرِحاً حِينَ رَأَيْتَ الدُّنْيَا لَكَ مُسْتَوْسِقَةً وَالْأُمُورَ لَدَيْكَ مُتَّسِقَةً وَحِينَ صَفِيَ لَكَ مُلْكُنَا وَخَلَصَ لَكَ سُلْطَانُنَا.

فَمَهْلًا مَهْلًا لَا تَطِشْ جَهْلًا! أَ نَسِيتَ قَوْلَ اللَّهِ: "وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) (2).

هي لاتخاطبه من باب الضعف والمسكنة بل بنبرة الاميرة التي سرق منها تاجها بخسة ودناءة فهي تقول " حين صفي لك ملكنا وخلص لك سلطاننا" في اشارة الى ولاية الامر التي اخذ بزمامها امير المؤمنين علي بن ابي طالب صلوات الله عليه بتنصيب من الله وترشيح من الامة بينما سرقها ابوه باتباع اساليب الخداع والمراوغة والدجل لافتة الى ان النصر الحقيقي هو النصر المؤيد من قبل السماء وليس النصر الذي يحققه وتكون عاقبة امره هو الخسران في الآخرة، فيزيد حتى وان حقق النصر المادي الا ان نصره لم يكن مدعوما بارادة الهية.

وفي مقطع ثاني من خطبتها تكشف السيدة زينب سلام الله عليها حقيقة اخرى عن الطاغية يزيد وهي انه كان من زمرة الذين يناصبون العداء لرسول الله وانه فعل فعلته نكاية بالنبي الاعظم صلى الله عليه وآله وانتقاما منه لمقتلة اجداده واعمامه في بدر فتقول :

(أَمِنَ الْعَدْلِ يَا ابْنَ الطُّلَقَاءِ تَخْدِيرُكَ حَرَائِرَكَ وَسَوْقُكَ بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ سَبَايَا؟؟ قَدْ هَتَكْتَ سُتُورَهُنَّ وَأَبْدَيْتَ وُجُوهَهُنَّ يَحْدُو بِهِنَّ الْأَعْدَاءُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَيَسْتَشْرِفُهُنَّ أَهْلُ الْمَنَاقِلِ وَيَبْرُزْنَ لِأَهْلِ الْمَنَاهِلِ وَيَتَصَفَّحُ وُجُوهَهُنَّ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ وَالْغَائِبُ وَالشَّهِيدُ وَالشَّرِيفُ وَالْوَضِيعُ وَالدَّنِيُّ وَالرَّفِيعُ، لَيْسَ مَعَهُنَّ مِنْ رِجَالِهِنَّ وَلِيٌّ وَلَا مِنْ حُمَاتِهِنَّ حَمِيمٌ، عُتُوّاً مِنْكَ عَلَى اللَّهِ وَجُحُوداً لِرَسُولِ اللَّهِ وَدَفْعاً لِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَا غَرْوَ مِنْكَ وَلَا عَجَبَ مِنْ فِعْلِكَ).

وهنا تعلم السيدة زينب سلام الله عليها الانسانية درسا في قوة الشخصية والتاثير "وكيف يتحول فيها الاسير من منهزم الى منتصر" فزينب صلوات الله عليها هي التي فرضت عقيدتها الفكرية ومنطقها الحق على ذلك الاجتماع الكبير الذي حضره علية المجتمع وكسبت تعاطفهم وتأييدهم.

فلم يكن الصراع مع يزيد صراعا من اجل كرسي الزعامة اومصالح مادية بل كان صراعا عقائديا بين دين محمد ودين بني امية واذا اردنا نعرف الفرق لدينا اليوم نموذج دين الدواعش هو نفسه دين بني امية ولذا هم يفتخرون ان يطلقون عاى انفسهم بانهم احفاد بني امية لقد تمكنت السيدة زينب في اطار هذا الصراع ان تبين للامة هذا التمايز الكبير بين دين محمد ودين بني امية لان مشروعهم يقوم على تحريف دين الاسلام ومن هنا انطلقت المعارضة السياسية والعسكرية لحكم بني امية واندلعت الثورات الشعبية والتي انتهت في خاتمة الامر بالاطاحة بحكم بني امية وهدم دينهم.

بقلم : طاهر باقر

الهوامش

=======================================================================================

1- سورة الروم: 10

2- سورة آل عمران: ١٧٨.

 

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
طاهر باقر : انا استغرب لماذا لابد ان يقدم شاب عراقي على الانتحار من اجل مسألة تافهة مثل هذه القضية ...
الموضوع :
انتحار طالب بعد عودته من الامتحان في واسط
باقر : والنعم من النواصب الدواعش والجولاني ..... والنعم من اتباع الصحابة ...
الموضوع :
الاردن يطرد عدد من اطفال غزة المصابين وعوائلهم بحجة ان الاردن مفلس
علي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نتمنى من أدارة المطار أن تسمح بدخول السيارات لأستقبال المسافر لأن نحن ...
الموضوع :
وزارة النقل تعلن قرب افتتاح ساحة النقل الخاص بمطار بغداد الدولي
الحسين بن علي : الحفيد للجد السعيد ياجد عُد فكلنا اشتقنا لرؤياك وضحكة محياك ياعذب الماء ...
الموضوع :
صورة لاسد المقاومة الاسلامية سماحة السيد حسن نصر الله مع حفيده الرضيع تثير مواقع التواصل
باقر : انت غلطان وتسوق الاوهام.... حثالات الأرض هم أهالي تكريت والانبار وديالى والموصل.... ...
الموضوع :
حماقة البعث والوجه الآخر لتكريت.
ضياء عبد الرضا طاهر : حبيبي ھذا الارھابي محمد الجولاني ھو مثل جورج دبليوا بوش الصغير وترامب صعد وصار رئيس واستقبال حافل ...
الموضوع :
صورة للارهابي ابو محمد الجولاني عندما كان معتقلا في سجن بوكا عام 2005
----خلف ناصر عبد الله : اتمنى لكم التوفيق والسداد بحوث روعه غيتها اعلاء اعلام دين الله سبحانه:؟ ...
الموضوع :
تفسير "هذا صراطُ عليٍّ مستقيم" (الحجر: 41)
منير حجازي : العلاقات التي تربط البرزانيين بالكيان الصهيونية علاقات قديمة يطمح الاكراد من خلالها أن يساعدهم اليهود على إنشاء ...
الموضوع :
النائب مصطفى سند يُحرك شكوى ضد ممثل حكومة كردستان في المانيا دلشاد بارزاني بعد مشاركته احتفال في سفارة الكيان الصهيوني
منير حجازي : الاخت الفاضلة حياكم الله نقلتي قول (أنطوان بارا) في كتابه الحسين في الفكر المسيحي وهو يعقد مقارنة ...
الموضوع :
الحسين في قلب المسيح
ولي : بعد سنوات اليوم يقبل ابناء عنيفص منفذ المقابر الجماعية بحق الانتفاضة الشعبانية ١٩٩١ في الكلية العسكرية بينما ...
الموضوع :
محكمة جنايات بابل تحكم باعدام الارهابي رائد عنيفص العلواني قاتل 26 مواطنا ودفنهم في حديقة داره ببابل
فيسبوك