دراسات

العلماني المسلم بين شريعة محمد وشريعة عيسى..!

2258 2021-03-30

 

د.علي المؤمن ||

 

    بمراجعة متأنية لمبادئ الإسلام وتعاليمة وأصوله وفروعه وأحكامه؛ يمكن بسهولة وعي حقيقة استحالة الفصل بين منظومة الشريعة الإسلامية والشأن العام والدولة والسياسة والاقتصاد والثقافة المجتمعية؛ فالشريعة تتضمن ــ بداهةً ــ كل ما يحتاجه الفرد والمجتمع المسلمين لتنظيم حياتهما، سواء في البعد العبادي والروحي أو الأبعاد الاقتصادية والسياسية والثقافية والقانونية، أي أن السياسة والعمل السياسي وأهداف العمل السياسي والممارسة السياسة؛ كلها جزء من شريعة الإسلام وثوابته، وليست السياسة فعلاً أو فكراً أو هدفاً مستقلاً عن الدين وشريعته، بل هي جزء لايتجزء عن الإسلام، ولايوجد فصل مطلقاً بين أجزاء الشريعة الاسلامية؛ فهي تكمل بعضها. وعليه؛ فإن ثنائية السياسة والدين لاوجود لها في الإسلام، لأن هذه الثنائية هي نتاج مناخ ديني فكري سياسي مختلف تماماً عن مناخ الشريعة الإسلامية ومخرجاتها، هو المناخ الأوربي الذي ظل يعيش طيلة قرون طويلة معادلة الصراع بين النظم الثيوقراطية والملكية المطلقة والكنيسة من جهة والمقاومة العلمانية الأوروبية من جهة أخرى، والتي انتهت الى ما عرف بعصر التنوير والتهضة الأوربية الفكرية والعلمية والقانونية والسياسية، وظهور الأنظمة العلمانية (الليبرالية الديمقراطية)، بدءاً من أواخر القرن الثامن عشر الهجري. وهي وقائع تراكمية تاريخية لاتمت الى مناخ الشريعة الإسلامية بأية صلة.

    لذلك؛ فإن قياس الاسلام وشريعته الشاملة الكاملة على الديانة المسيحية والنظم الثيوقراطية الأوروبية؛ هو قياس باطل منهجياً، وكذلك قياس الصراع بين الكنيسة وجماعات التنوير في عصر النهضة الأوربية على علاقة المنظومة الدينية الاسلامية بالواقع الاجتماعي لبلاد المسلمين؛ هو قياس باطل أيضاً، لأن هناك اختلاف حاسم وأساس بين الشريعة الاسلامية والعقيدة المسيحية، وبين سلطة الكنيسة ودورها من جهة، وسلطة الشريعة الإسلامية ودور المرجعية الدينية الإسلامية من جهة أخرى. فديانة النبي عيسى المسيح هي عبارة عن تعاليم روحية وأخلاقية، ولايوجد فيها شريعة ولانظم اقتصادية وقانونية وسياسية وجهادية، كما أن النظام الكنسي برمته هو مخلوق بشري بالكامل. وبالتالي؛ فإن العلمانية هي نتاج محلي أوروبي مسيحي، مفصل على مقاساة المناخ الأوربي وديانته ومخاضاته وظروفه وصراعاته الاجتماعية، وليست منظومة فكرية سياسية إنسانية عامة، يمكن استيرادها وفرضها على بيئات أخرى مختلفة، كالبيئة الإسلامية.

    أما ديانة النبي الخاتم محمد؛ فإنها ترتكز على عقيدة وشريعة متعاضدتين شاملتين لكل النظم الحياتية، وعلى سلطة تنفيذية تعمل على تطبيق هذه النظم بالوسائل التي حددتها الشريعة نفسها، أي أن الإسلام لايتضمن عقيدة وشريعة وحسب، بل يحتوي على أدوات مقننة حاسمة لحماية العقيدة وتطبيق الشريعة، وهو ماتفتقد اليه كل الديانات الأخرى. مايعني أن العمل السياسي في الإسلام يقننه الفقه السياسي الاسلامي ويهدف الى تطبيق الشريعة الاسلامية من خلال المرجعية الاسلامية والدولة.

     لذلك؛ أرى من الضروري جداً أن يطلع العلمانيون في البلدان الإسلامية على أحكام الشريعة الاسلامية في مصدريها الأصليين (القران والصحيح من السنة الشريفة) والمصادر الاجتهادية، بدلاً من إطلاق الأحكام جزافاً وتقمص شخصية المفتي بدون علم، وليتعرفوا على مستوى موضوعية فتاواهم القاضية بفصل الإسلام عن السياسة والدولة وعموم الشأن العام، وهل إن ذلك ممكناً من منظار الإسلام !؟

    ربما يمكن للمسيحي أن يقول بأن المسيحية هي ديانة تربط الفرد بخالقه فقط، ولاعلاقة لها بالسياسة والدولة، ولعله يستدل على ذلك بأن سيدنا عيسى (ع) لم يؤسس دولة ولم يأمر أتباعه بتطبيق أحكام الشريعة المسيحية؛ لعدم وجود فقه اقتصادي وفقه مالي وفقه سياسي وفقه جهادي وفقه معاملات وعقود، ولكن؛ ماهي حجة المسلم العلماني حين يزعم أن الدين لاعلاقة له بالسياسة وبالدولة، وليس فيه نظام اقتصادي ولانظام سياسي ولا نظام قانوني؟!

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
----خلف ناصر عبد الله : اتمنى لكم التوفيق والسداد بحوث روعه غيتها اعلاء اعلام دين الله سبحانه:؟ ...
الموضوع :
تفسير "هذا صراطُ عليٍّ مستقيم" (الحجر: 41)
منير حجازي : العلاقات التي تربط البرزانيين بالكيان الصهيونية علاقات قديمة يطمح الاكراد من خلالها أن يساعدهم اليهود على إنشاء ...
الموضوع :
النائب مصطفى سند يُحرك شكوى ضد ممثل حكومة كردستان في المانيا دلشاد بارزاني بعد مشاركته احتفال في سفارة الكيان الصهيوني
منير حجازي : الاخت الفاضلة حياكم الله نقلتي قول (أنطوان بارا) في كتابه الحسين في الفكر المسيحي وهو يعقد مقارنة ...
الموضوع :
الحسين في قلب المسيح
ولي : بعد سنوات اليوم يقبل ابناء عنيفص منفذ المقابر الجماعية بحق الانتفاضة الشعبانية ١٩٩١ في الكلية العسكرية بينما ...
الموضوع :
محكمة جنايات بابل تحكم باعدام الارهابي رائد عنيفص العلواني قاتل 26 مواطنا ودفنهم في حديقة داره ببابل
زياد مصطفى خالد : احسنت تحليل واقعي ...
الموضوع :
مسرحية ترامب مع زيلنسكي والهدف الامريكي !!
ابو حسنين : انظرو للصوره بتمعن للبطل الدكتور المجاهد والصادق جالس امام سيد الحكمه والمعرفه السيد علي السستاني بكل تواضع ...
الموضوع :
المرجع الديني الأعلى السيد السيستاني يستقبل الطبيب محمد طاهر أبو رغيف
قتيبة عبد الرسول عبد الدايم الطائي : السلام عليكم اود ان اشكركم اولا على هذا المقال واستذكاركم لشخصيات فذة دفعت حياتها ثمنا لمبادئها التي ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
م خالد الطائي : السلام عليكم, شكرا لصاحب المقال, عمي مالك عبد الدايم الطائي: خريج 1970م، تخرج من كلية العلوم بغداد ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
ام زهراء : مأجورين باىك الله فيكم ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
علاء عبد الرزاق الانصاري : الاهم صلي على محمد وال محمد الطيبين الطاهرين ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
فيسبوك