دراسات

المرجعية الدينية الشيعية وخلاف المنهجيات المحافظة والإصلاحية والثورية

1047 2021-03-26

 

د. علي المؤمن ||

 

   الخلاف الفقهی والسياسي والسلوكي بين الفقهاء والمرجعيات الدينية الشيعية؛ أمر طبيعي ومتعارف ومقبول، شأنه شأن أي خلاف إنساني، شرط أن لايتسبب في انشقاق الواقع الشيعي وتشرذمه، أي أن يبقى الخلاف  منحصراً في حدود الدوائر الحوزوية ذات العلاقة وفي إطاره الموضوعي،

   ولايتحول الى خلاف شخصي أو مجتمعي، بل أن من أكبر الكوارث أن يتم الاحتكام الى الشارع المتدين أو جمهور المقلدين والأنصار؛ ليحوله المنفعلون والجهلاء الى معارك، كما حصل في فترات زمنية سابقة ولاحقة، ومنها الخلافات بين الإخباريين والأصوليين في كربلاء وإصفهان والنجف طوال قرن وأكثر، والخلافات بين أنصار المشروطة والمشروعة والمستبدة في طهران والنجف في أوائل القرن العشرين، والخلاف بين جماعة الشيخ الخالصي وأنصار مرجعية النجف في الكاظمية في خمسينات و أوائل ستينات القرن الماضي، والخلافات بين جماعة السيد الشيرازي وأنصار المرجعية النجفية في كربلاء والكويت والبحرين وقم طيلة ستة عقود، والخلاف بين أنصار السيد الشريعتمداري وأنصار الثورة الإسلامية، خاصة في تبريز وقم وطهران في أوائل ثمانينات القرن الماضي، ثم بين أنصار الشيخ المنتظري وأنصار المرجعية العامة في قم ونجف آباد، أو بين أنصار السيد محمد حسين فضل الله وأنصار بعض مرجعيات النجف وقم في الفترة نفسها، وكذلك الخلاف بين أنصار السيد محمد الصدر وأنصار بعض مرجعيات النجف في تسعينات القرن الماضي، ثم امتدادها الى مرحلة ما بعد سقوط النظام البعثي في العام ٢٠٠٣.

   هذه الخلافات، الصحية غالباً؛ كونها تحرك الركود والجمود؛ كان من الممكن أن تمر بشكل طبيعي، ككل الخلافات الفقهية المتعارفة الأخرى بين الفقهاء والمراجع، أو خلافاتهم في تشخيص المصالح والمفاسد، فيما لو تمت إدارتها إدارة حكيمة، ولم تستثمرها جماعات الضغط والمصالح الداخلية، كمادة دسمة تعتاش عليها، ولم تنزل الى الشارع وتتحول الى فتنة إجتماعية، ولم يُسمح للخصوم الخارجيين باستغلالها وتأجيجها، بهدف تضعيف الحوزة والمذهب والطائفة.

   بيد أن الجانب المهم في هذا اللون من الخلافات؛ هو أنه لايؤثر سلباً أو إيجاباً في الأبعاد العلمية وأحجام النفوذ الديني للفقهاء والمراجع المعترف باجتهادهم ومرجعياتهم حوزوياً، و لايؤدي الى توصيف بعضهم خطاً حوزوياً عاماً والآخر خطاً منعزلاً خاصاً، كما فصّلنا في مقال سابق، أي أن الخلافات المنهجية المتعارفة لا تشبه الخلاف بين مرجعيات الخط العام، والخطوط الدينية العرَضية الخاصة التي لايعترف الرأي العام الحوزوي باجتهاد أصحابها ومرجعياتهم.

   وهناك أمثلة قريبة تاريخياً بشأن الخلاف المنهجي الصحي المتعارف بين المرجعيات في الموضوعات الفقهية والنظرة الى الشأن العام وتشخيص كل مرجع للمصالح والمفاسد، وأساليب جلبها ودفعها. ومنها نموذج ظاهرة الثنائية بين مرجعية السيد محسن الحكيم الإصلاحية ومرجعية السيد الخوئي المحافظة في خمسينات و ستينات ومطلع سبعينات القرن الماضي، والتي استطاع خلالها السيد محمد باقر الصدر إيجاد منهجية ثالثة فاعلة، لكنها لم منظورة حينها، إذ ظلت تتمظهر - غالباً - في الفعاليات والنشاطات المحسوبة على مرجعية السيد الحكيم وجماعة العلماء في النجف الأشرف وكلية الفقة. وبذلك؛ بات الاجتماع الديني النجفي في عقد الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، ينقسم إلى ثلاث منهجيات رئيسة:

    1 - المنهجية الوسطية الإصلاحية المتمثلة في مرجعية السيد محسن الحكيم، وقاعدتها: ولاية فقيه واسعة في الأمور الحسبية و رعاية النظام العام، وسمتها التطبيقية: إصلاح شامل في الأمة وإصلاح مقيد في السلطة. ومن الفقهاء المتماهين مع هذه المنهجية في النجف: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والشيخ مرتضى آل ياسين والشيخ محمد أمين زين الدين والشيخ محمد رضا المظفر والسيد عبد الله الشيرازي، وحالياً السيد علي السيستاني. وتماثلها في قم مرجعيات السيد محمد رضا الگلپايگاني والسيد كاظم الشريعتمداري والسيد شهاب الدين المرعشي النجفي. وهي منهجية متأثرة بمدرسة الشيخ الأخوند الخراساني والشيخ فتح الله الإصفهاني والشيخ الميرزا النائيني والسيد أبي الحسن الإصفهاني. 

    2 - المنهجية التقليدية المحافظة المتمثلة في مرجعية السيد أبي القاسم الخوئي، وقاعدتها: ولاية فقيه محدودة في الأمور الحسبية، وسمتها التطبيقية: إصلاح تقليدي في الأمة وانكفاء في موضوعة السلطة. وهي متأثرة بمدرسة السيد كاظم اليزدي والشيخ ضياء الدين العراقي. ومن المتماهين مع هذه المنهجية في النجف: مرجعيتا السيد عبد الهادي الشيرازي والسيد محمود الشاهرودي. وتماثلهما في قم مرجعيتا الشيخ عبد الكريم الحائري والسيد حسين البروجردي، وحالياً مرجعية الشيخ حسين الوحيد الخراساني.

3 - المنهجية التغييرية الثورية المتمثلة في الفقيه الشاب السيد محمد باقر الصدر، وقاعدتها: ولاية فقيه عامة ورعاية مطلقة للشأن العام، وسمتها التطبيقية: إصلاح شامل في الأمة وتحول جذري في السلطة وإنخراط في العمل التغييري الثوري. أما في قم فإن هذه المنهجية أسسها الإمام الخميني. وأبرز المراجع والفقهاء المتماهين مع هذه المنهجية هم  تلاميذ السيد محمد باقر الصدر والإمام الخميني، كالسيد محمد الصدر والسيد محمود الهاشمي والسيد كاظم الحائري والشيخ حسين علي المنتظري والشيخ الفاضل اللنكراني والسيد علي الخامنئي والشيخ جعفر السبحاني والشيخ عبد الله الجوادي الآملي. فضلاً عن مراجع آخرين أحياء تتلمذوا في مدرسة السيد حسين البروجردي، لكنهم خالفوا أستاذهم في مسألة ولاية الفقيه العامة؛ فقالوا بها وانخراطوا في الحراك الثوري التغييري الذي قاده الإمام الخميني، كالشيخ ناصر مكارم الشيرازي والسيد موسى الشبيري الزنجاني والشيخ لطف الله الصافي الگلپایگاني، رغم أنهم ليسوا من تلاميذ الإمام الخميني.

    والملاحظ في النجف في ستينات القرن الماضي، أن المنهجيات الفقهية والتطبيقية المختلفة الثلاث، والمتمثلة في السيد محسن الحكيم والسيد أبي القاسم الخوئي والسيد محمد باقر الصدر، كانت تتبادل الحماية والدعم والتأييد. وحصل الأمر نفسه في أوائل عقد الستينات من القرن الماضي، حين مارست مرجعيات قم المحافظة والإصلاحية دور الحماية لمرجعية الإمام الخميني التغييرية الثورية.

   وقد يرى بعض المراقبين مفارقة في هذا المجال؛ فكيف يدعم التيار الديني التقليدي المحافظ تياراً إصلاحياً وآخر ثورياً، أو العكس؟!. لكن من يعرف قواعد تفكير المرجعية العليا التي تمثل الخط العام، وأساليب حركتها؛ سيدرك بأن هذه المرجعية تمارس - عادة - دور الأبوة لكل التيارات والوجودات في الوسط الشيعي، وتعمل على حمايتها وعدم التفريط بها، وشدّها إليها بهدوء وصبر؛ للحؤول دون انكفائها خارج النظام الديني الشيعي، سواء كانت المرجعية العامة نفسها ثورية أو إصلاحية أو محافظة.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاكثر مشاهدة في (دراسات)
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3846.15
يورو 1639.34
الجنيه المصري 92.76
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 2040.82
دينار كويتي 4761.9
ليرة لبنانية 0.96
ريال عماني 3846.15
ريال قطري 401.61
ريال سعودي 389.11
ليرة سورية 0.58
دولار امريكي 1449.28
ريال يمني 5.83
التعليقات
محمد الهندي : هم من يحكم العراق ويسرقه بالاتفاق مع الاخوه الاعداء وساستنا تبارك لهم ذلك ...
الموضوع :
العرداوي: ترشيح زيباري لرئاسة الجمهورية تجاوز على القانون والدستور
ابو محمد : احسنت واجدت فقرة مرض الولد عشتها شخصيا قبل ايام وكما وصفت بالضبط والحمد لله على كل حال. ...
الموضوع :
من قال أن الرجال لا يبكون .؟!
احمد سواعد : يعطيكم العافيه ...
الموضوع :
وفاة أم البنين (عليها السلام )
حسن : السللم على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين السلام على أبا الفضل ...
الموضوع :
من كرامات الإمام الحسين صلوات الله عليه: اين ذهبت الغدة السرطانية؟قصة معاصرة حقيقية بكل حرف من حروفها
الحاج هادي العكيلي : السلام عليكم .. بالنظر لاهمية محاضرة الشيح جلال الدين الصغير في توضيح الامور وخاصة من الجانب السياسي ...
الموضوع :
الشيخ جلال الدين الصغير يتحدث عن سنة صاخبة تتماوج بين الاحداث وآثارها وبين علامات الظهور ودورها
ابن الاعظمية : الكابتن الاسطورة حسين سعيد ابن الاعظمية البار فهو من مواليد الاعظمية وجاري تبا وتعسا وبغضا لمن يعاديه ...
الموضوع :
حسين سعيد الفلسطيني البعثي ماذا لو كان عراقياً
مازن : إلى جهنم و بئس المصير لعنه الله على كل البعثيين و الصداميين الاوباش ...
الموضوع :
وفاة ابن خالة الطاغية المقبور صدام حسين ومرافقه الاقدم المجرم ارشد ياسين
كرار حسان : عشيرة بيت عوفي وهي عشيرة من أحد عشائر البوبخيت المهمة يراسها في الوقت الراهن الشيخ حسن ناجي ...
الموضوع :
«مسلم» الوحيد بين 600 طفل من «بيت عوفـي» فـي البصرة يقطع 15 كلم ليواصل تعليمه
محمد سعيد : مقالكم جميل حياكم الله ووفقكم أتمنى لكم دوام التوفيق ...
الموضوع :
هل ينجحون اليوم بما فشلوا به في الأمس..
Majeda Khalil : رحم الله والديكم والله يقضي حوائجكم بحق صاحب السجدة الطويله الامام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
فيسبوك