دراسات

شمولية الأحكام الإلهية (دراسة نقدية لفكرة تغيّر الأحكام الشرعية وفقاً للظروف الاجتماعية)  


السيد علي الأكبر الحائري

 

الحلقة الاولى:

 

 المقدَّمة:

    انتشر أخيراً مقطع فيديو تحدّث فيه السيد كمال الحيدري باللغة الفارسية بما صرّح فيه بأنّ جملة من الأحكام الشرعيّة التي شرّعها الإسلام قبل ألف وأربعمائة سنة لا تناسب الظروف والشروط المستجدّة في زماننا هذا، فهي إذاً مختصّة بالظروف القديمة التي كانت في زمان التشريع، ولابدّ من تغيير تلك الأحكام وتبديلها بما يناسب ظروف اليوم، وقال بأنّ تسعين بالمائة من الأحكام الراجعة إلى المرأة تكون من هذا القبيل، وطبّق ذلك على حكم الحجاب، مصرحا بأنّ الحجاب بالنحو الذي شرّع للمرأة قبل ألف وأربعمائة سنة لا يناسب ظروف المرأة المعاصرة في يومنا هذا ولابدّ من تغيير ذلك بالنحو المناسب لهذا الزمان، إلى غير ذلك من التصريحات الغريبة.

    ‏والظاهر أن هذه النظرية لها جذور و أسس أولية في فكر السيد الحيدري ضمن نظريات غريبة انتشرت عنه سابقا في محاضرات قديمة لسنا الآن بصدد الردّ عليها، لكون التصدّي للرد على كل واحدة منها رغم وضوح فسادها قد يكون مستدعياً لبحث طويل.

    من قبيل ما قاله في حديث له بالنصّ: "أنا أدّعي أنّ الموروث أو الكثير من الموروث الروائي الشيعي هو مدسوس ومنقول إلينا من كعب الأحبار من اليهوديّة والنصرانيّة والمجوسيّة، حتّى تفسير القمي..." !!.

    وما قاله أيضاً بالمضمون من أنّ المجتهد إنّما هو من يكون مجتهداً في جميع شعب الفكر الإسلامي ـ معتقداً أنّه هو كذلك وحده في هذا العصر ـ ولا يكفي الاجتهاد في شعبة واحدة فقط من شعب الفكر الإسلامي، مؤكدا ذلك بأنّ فلاناً مثلاً مجتهد في الفقه والاُصول فقط، وإنّ فلاناً مجتهد في الفكر السياسي الإسلامي فقط، وقد يكون أحد مجتهداً في التفسير فقط، أو في الفلسفة فقط، أو غير ذلك، فهؤلاء في الحقيقة ليسوا مجتهدين، وإنّما هو مجتهد فقط في هذا العصر بحسب رأيه.

    ومن قبيل ما صرّح به في بعض كلماته السابقة من أنّ مصاديق المفاهيم القرآنية (اجتهاديّة) وليست (توقيفيّة) ـ بحسب تعبيره ـ وبإمكان الفقيه أن يغيّرها في كلّ عصر بحسب الظروف المناسبة لذلك العصر، مؤكّدا ذلك بقوله: (ولا استثني حتى العبادات) بحسب نصّ كلامه.

    إلى غير ذلك من النظريّات التي تؤدّي إلى تغيير الإسلام ـ نعوذ بالله عن ذلك ـ بتأسيس فقه جديد، وقد صرّح هو بأنّه لا مانع من تأسيس فقه جديد ، وإن أدّى إلى أن لا يبقى حجر على حجر بحسب تعبير البعض، إذ لا دليل على عدم جواز تأسيس فقه جديد، كما لا دليل على وجوب بقاء حجر على حجر بحسب تعبيره.

    فيبدو أنّ كلامه الذي نتحدّث عنه الآن قد نتج وتبلور عنده من خلال تلك النظريات الفاسدة التي قد يضحك بعضها الثكلى.

    ولعلّه يعتمد أيضاً على بعض النظريات القديمة التي ردّ عليها المتأخرون بوضوح وأصبحت مما أكل الدهر عليها وشرب.

    من قبيل نظرية اختصاص الخطاب بالمشافهين، أو نظرية حجيّة الظهور بحسب زمان الوصول لا بحسب زمان الصدور، أو نظريّة حجيّة مطلق الظن على أساس انسداد باب العلم وعدم ثبوت حجيّة بعض الظنون الخاصّة، إلى غير ذلك من النظريّات التي ثبت فسادها في محلّها عند المحقّقين المتأخرين، وتصدوا للرد عليها بما لا مزيد عليه.

    ونحن إذا أردنا التصدّي للردّ على كلّ تلك النظريّات لزم علينا القيام بتكرار ما ذكره الأصحاب ـ قدّس الله أسرار الماضين منهم وحفظ الباقين منهم ـ في الردّ عليها ضمن مؤلّفات جديدة بتغيير بعض الصياغات اللفظيّة والجانبيّة.

    أعاذنا الله تعالى عن كلّ انحراف في الدين والمذهب ورزقنا الهداية والصلاح.

    ويبدو أنّ هذه النظريّة الغريبة بدأت تسري إلى بعض الأوساط الحوزوية وصار بعض طلبة الحوزة العلميّة يدافع عنها ببيانات قد تكون خادعة للآخرين وإن كانت واهية.

    ولاشكّ أنّ هذه النظريّة فاسدة جدّاً وخطيرة لأنّها تضفي غطاءاً شرعيّاً على نظريّة الحداثيّين المنحرفين من أمثال الدكتور سروش وغيره، وتؤدّي إلى تمسّك هؤلاء بكلام هذا الرجل بعنوان كونه صادراً من أحد علماء الدين.

    ولهذا رأيت لزاما علي أن أقوم بالردّ العلمي المناسب على ما صدر من هذا الشخص وإن كان واضح البطلان، منعاً عن انخداع البعض به.

    وسأجعل الرد عليه متدرّجاً ضمن خطوات عديدة يكمّل بعضها البعض الآخر -مستعينا بالله تعالى وبالنفحات القدسية لمحمد وآله الطيبين الأطهار- حتى يتم الرد النهائي عليه بمجموع تلك الخطوات، فلا ينبغي للقارئ العزيز أن يحكم على كل خطوة بشيء إلا بعد ملاحظة كل الخطوات، وهي مايلي:

 

    الخطوة الاولى

خاتميّة الرسالة الإسلاميّة

     لا شكّ في أنّ الرسالة الإسلاميّة التي جاءت على يد النبي الأكرم (محمّد) صلى الله عليه وآله وسلّم هي آخر الرسالات السماويّة التي أنزلها الله تعالى للبشريّة، وتشريعاتها لا تتبدّل ولا تتغيّر إلى قيام الساعة، سواء قلنا بصحّة الحديث المعروف "حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة" أو لم نقل بصحّته من حيث السند والصدور، وذلك لوضوح أنّ تشريعات هذه الرسالة إن كانت موقّتة بزمان معيّن أو بظروف اجتماعيّة موقّتة، كان على الله تبارك وتعالى أن لا ينهي حركة إرسال الرسل للبشرية، بل يبقى يرسل لهم أنبياء ورسلاً آخرين بعد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم لسدّ حاجة الناس إلى التشريعات المناسبة للظروف المستجدّة على طول الخط.

    ولهذا فكون الرسالة الإسلاميّة هي آخر الرسالات السماوية وقد قدّر الله تعالى لها أن تبقى قائمة بدورها إلى قيام الساعة، دليل على أنّ تشريعات هذه الرسالة صالحة للتطبيق على شؤون البشرية وسدّ حاجاتها التشريعية لولا تمرّد البشر أنفسهم على تطبيقها والالتزام بتعاليمها.

    وبهذا يثبت أنّ جميع الأحكام التي قد يتراءى لنا أنّها غير قابلة للتطبيق في زماننا هذا بسبب عدم تناسبها للظروف التي تعيشها البشريّة اليوم في ظلّ النظريّات الثقافية الحديثة والحضارات البعيدة عن الإسلام ـ ومنها جملة من الأحكام الراجعة إلى المرأة بحسب ما جاء في كلام السيد الحيدري ـ كلّ ذلك ليس بسبب عدم صلاحيّة تلك الأحكام للتطبيق في زماننا هذا، بل إنّما هو بسبب تمرّد الناس أنفسهم ـ بقصد أو بغير قصد ـ على تطبيق تلك الأحكام، وانجرارهم خلف الثقافات والحضارات الباطلة، وهذا لا يبرّر تبديل تلك الأحكام بأحكامٍ مناسبة لتلك الظروف الجديدة التي أصبحت حاكمة على الامة الإسلامية بفعلهم أو بفعل أعدائهم مع كلّ الأسى والأسف.

    فكم فرق بين أن تكون الأحكام بطبعها قاصرة وغير قابلة للتطبيق إلّا لزمان معين أو لظروف اجتماعيّة معيّنة، وبين كونها بطبعها صالحة للتطبيق على كل زمان ومكان ولكن الظروف والشروط الطارئة عند الناس سبّبت التمرّد على تطبيقها والالتزام بتعاليمها. ففي الحالة الاُولى قد يقول القائل بضرورة تبديل تلك الأحكام، وأمّا في الحالة الثانية فلا يحقّ لنا تبديل تلك الأحكام، بل لابدّ من السعي نحو تغيير تلك الظروف التي منعت عن تطبيق تلك الأحكام.

    وبالرغم من أنّ السيّد الحيدري لاينكر خاتميّة الرسالة الإسلامية ـ كما جاء في مقدّمة كتاب (مفاصل إصلاح الفكر الشيعي) ـ لكنّه بدلاً عن أن يجعل ذلك دليلاً على بطلان الثقافات والظروف الشائعة التي لا يمكن تطبيق تعاليم الشريعة الإسلامية فيها، يظلّ يفتّش عن طريقةٍ للجمع بين حاجة المجتمعات البشرية إلى تجديد الشريعة كأصل ثابتٍ لا مناص منه بحسب تعبيره، وبين خاتميّة الشريعة الإسلاميّة، ولم يجد طريقةً للجمع بين هذين الأمرين سوى دعوى كون التجديد في الشريعة الإسلامية منبثقاً من رحمها فهي (ولّادةٌ في كلّ عصرٍ بما يقتضيه ذلك العصر) بحسب تعبيره، وبهذا لم يدع مجالاً للاعتقاد بأنّ الثقافات العصريّة كثيراً ما تكون باطلة وأنّ الظروف والملابسات التي تمنع عن تطبيق الشريعة الإسلامية بصيغتها الأصلية التي نزلت في عصر قديم تكون فاسدةً ولابدّ من السعي نحو إصلاحها.

    وقد صرّح في هذا المجال ـ في مقدّمة الكتاب المذكور ـ بأنّ ملاك خاتميّة الشريعة الإسلاميّة لا يمكن حفظه إلّا مع بقاء الحركة الاجتهاديّة وديمومتها، بل لا يمكن ذلك ـ بحسب تعبيره ـ إلّا بتجديد الآليّات الاجتهادية الاستنباطية.

    وإذا جمعنا كلامه هذا مع تصريحه السابق في نفس مقدمة الكتاب المذكور بأنّ الحاجة إلى تجديد الشرائع بحسب متطلّبات الظروف تكون أصلاً ثابتاً لا مناص منه، ولأجل هذه الحاجة كانت الشرائع تتجدّد من خلال النبوات المستمرّة، فستكون النتيجة أنّه يتوقّع من خلال بقاء الحركة الاجتهادية وديمومتها أن يقوم المجتهد بدور نبي جديد يقوم بتجديد الشريعة بحسب متطلبات الظروف، وهذا أقرب إلى الوهم والخيال منه إلى الواقع العلمي والعملي.

    وأمّا فكرة مدخلية الزمان والمكان في الأحكام الشرعية فسيأتي توضيح حدودها ومدى صلاحيتها لتصحيح النظرية المذكورة ضمن الخطوات القادمة في هذا البحث إن شاء الله تعالى.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3846.15
يورو 1428.57
الجنيه المصري 74.74
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 2040.82
دينار كويتي 4761.9
ليرة لبنانية 0.96
ريال عماني 3846.15
ريال قطري 401.61
ريال سعودي 389.11
ليرة سورية 0.58
دولار امريكي 1470.59
ريال يمني 5.83
التعليقات
عبدالرحمن الجزائري : السلام عليكم ردي على الاخ كريم العلي انت تفضلت وقلت ان الحكومات التي قامت بإسم الإسلام كانت ...
الموضوع :
هذه بضاعتي يا سيد أبو رغيف
ابو هدى الساعدي : السلام عليكم ...سالت سماحة المرجع الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله ..بشكل عام .....لماذا ينحرف رجل ...
الموضوع :
فاضل المالكي .. يكشف عورته
سليم : سلام علیکم وفقکم الله لمراضیه کل محاظرات الشيخ جلال لانها على تويتر تصلنا على شكل مربع خالي ...
الموضوع :
الشيخ جلال الدين الصغير يتحدث عن الصحابة وما أُثير في وسائل الإعلام في شأن الحاج باسم الكربلائي
رأي : مشكلتنا في هذا العصر والتي امتدت جذورها من بعد وفاة الرسول ص هي اتساع رقعة القداسة للغير ...
الموضوع :
الشيخ جلال الدين الصغير يتحدث عن الصحابة وما أُثير في وسائل الإعلام في شأن الحاج باسم الكربلائي
1حمد ناجي عبد اللطيف : ان أسوء ما مر به العراق هي فترة البعث المجرم وافتتح صفحاته الدموية والمقابر الجماعية عند مجيئهم ...
الموضوع :
اطلالة على كتاب (كنت بعثياً)
Ali : بعد احتجاز ابني في مركز شرطة الجعيفر في الكرخ .بسبب مشاجرة طلب مدير المركز رشوة لغلق القضية.وحينما ...
الموضوع :
وزارة الداخلية تخصص خط ساخن وعناوين بريد الكترونية للابلاغ عن مخالفات منتسبي وضباط الشرطة
يوسف الغانم : اقدم شكوى على شركة كورك حيث ارسلت لي الشركة رسالة بأنه تم تحويل خطي إلى خط بزنز ...
الموضوع :
هيئة الاتصالات تخصص رقماً للمشتركين للشكوى على شركات الهواتف
ابو حسنين : الى جهنم وبئس المصير وهذا المجرم هو من اباح دماء المسلمين في العراق وسوريه وليبيا وتونس واليمن ...
الموضوع :
الاعلان عن وفاة يوسف القرضاوي
يونس سالم : إن الخطوات العملية التي أسس لها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلمو في بناءالدولة وتأسيس الدواوين ...
الموضوع :
الاخطاء الشائعة
ابو سجاد : موضوع راقي ومفيد خالي من الحشو..ومفيد تحية للكاتب ...
الموضوع :
كيف بدات فكرة اقامة المقتل الحسيني ؟!
فيسبوك