دراسات

دور المثقف ومهمته


 

د. علي المؤمن||

 

    المثقف الإسلامي هو رجل المعرفة والمسؤولية الميدانية التغييرية، والذي يعيش الإلتزام بقضايا مجتمعه بكل تفاصيلها، ويستجيب لحاجات المجتمع ويلتصق بهمومه، ويواجه التحديات التي تعيق حركته ونموه وتطوره على مختلف الصعد، ويكتشف الشبهات التي تسعى لحرفه، ويدفعها عنه بالأساليب البنّـاءة التي تعتمد نظرية المفكر والموقف الشرعي الذي يحدده الفقيه، ويحصن منظومته الفكرية والثقافية الأصيلة، ويساهم في تقوية النظام الاجتماعي الديني الذي يمثل هويته وهوية المجتمع الذي ينتمي إليه، عبر عمليات البحث التخصصي الدقيق والنقد البناء والتأصيل وإعادة المأسسة، بما ينسجم ومتطلبات الحاضر والمستقبل.

    وقبل الحديث عن الدور المعرفي والاجتماعي والتغييري للمثقف الإسلامي، نستعرض أبرز أراء مدارس علم الاجتماع الغربية بشأن أدوار المثقف، والتي تلخصها ـــ عادة ـــ  بثلاثة أدوار:

    1 - دور خدمة السلطة السياسية في المجالات النظرية والآيديولوجية والاجتماعية والثقافية، أي تسويغ واقع السلطة، وهو ما يسمى بــ "مثقف السلطة".

    2 - الدور المعرفي، البعيد عن الأطر الآيديولوجية، وهو ما يعبِّر عن خلفيته عالم الاجتماع السياسي "سيمور مارتن ليبست" بــمقولة «نهاية الآيديولوجيا»، حيث يرفض أية علاقة بين المعرفة العلمية المحايدة والانتماء الايديولوجي للمثقـف. ويطلق على هذا المثقف مصطلح "المثقف المعرفي" المستقل ايديولوجياً وسياسياً.

    3 - الدور الانتقادي، وهو الدور الذي تعبّر عنه "الطبقة المثقفة الانتقادية" (Intelligentsia)، والتي يقول عنها عالم الاجتماع الألماني "كارل مانهايم" «يجب عليها [أي طبقة المثقفين] أن تبقى انتقادية لنفسها ولكل الجماعات الأخرى»، بالصيغ التي يشير إليها "ريمون أرون"، حين يحصر الدور النقدي للمثقف بثلاثة أنواع: النقد المنهجي، والنقد الأخلاقي، والنقد الآيديولوجي والتاريخي. وهو ما يعرف بـ "المثقف الانتقادي".

    هذه الآراء تشير الى أن المثقف ـــ من وجهة نظر علم الاجتماع الغربي ـــ محاصر بين خيارين: خيار الانتماء، ويعني الانتماء الى السلطة السياسية والسلطة الاجتماعية والسلطة الدينية والسلطة المالية، وكذلك الى الآيديولوجية التي تمثلها، وخيار اللاإنتماء، أي أن يكون المثقف معرفياً محايداً أو انتقادياً مجرداً. وهذان الخياران ينسجمان مع طبيعة الاجتماع الديني والسياسي والثقافي الذي أفرزته الايديولوجيا العلمانية بالتزامن مع عصر النهضة الأوربية، بل أنهما مفصلان على مقاسات المجتمعات الغربية العلمانية التي ولدت ولادة طبيعية في أعقاب قرون من الصراع المعرفي والسياسي والاجتماعي مع النظم الثيوقراطية التي تمثل تحالف الاستبداد الكنسي والحكومات المطلقة. وهو صراع لاتعرفه المجتمعات المسلمة، إلّا في حدود بعض الايديولوجيات والنظم التكفيرية المرفوضة عقدياً واجتماعياً بمستوى قريب من الإجماع الإسلامي. 

    ولاينسجم التصور المعرفي الاجتماعي الغربي في حصر خيارات المثقف، مع دور المثقف في الرؤية الإسلامية؛ لأن انتماء المثقف الإسلامي الى اجتماعه الديني لا يعني أنه يمارس دور خدمة السلطة السياسية ونخبها وجماعاتها، أو أنه منساق دون وعي وراء المؤسسة الدينية؛ بل لأنه من خلال انتمائه، يمارس دوره الذي يمليه عليه تكليفه الشرعي وواجباته الدينية والثقافية والإنسانية. ولكن الملفت للنظر أن المثقف التغريبي الذي ينتمي الى جذور مسلمة وبيئة مسلمة، يندفع نحو تبنّي الرؤية الغربية لتعريف المثقف ودوره، من قبيل المثقف النقدي والمثقف المعرفي المستقل والمثقف التنويري والثقافة الانتقادية والتفكير العلمي، وراح ـــ تحت تأثير إغراءات المفاهيم والمصطلحات والأسماء الغربية اللامعة التي يلوكها في أحاديثه ومقالاته ـــ يبحث عن دور انتقادي، يشاكس فيه المجتمع والتراث الإسلامي والمرجعية الدينية والمؤسسة العلمية الإسلامية والنظام الإسلامي، ويردد التوصيفات التي تفرزها منظومة العقل الغربي الإستشراقي السلطوي، كالأصولية الإسلامية وسلطة المؤسسة الدينية واليسار الإسلامي والتطرف الإسلامي والإرهاب الإسلامي والإسلام السياسي والماضوية والتخلف وموت التراث والعقل المسلم المأزوم وغيرها، ثم يتبنى مداليلها وفق مايحدده العقل الغربي المخاصِم للإسلام ومجتمعاته؛ لكي يقال عنه إنه مثقف (أنتلجنتسي)، أو مثقف غير منتمٍ، وأنه يمارس دوره الثقافي المطلوب. لكنه في حقيقته؛ مثقف مهزوم ومسلوب الهوية، ويعيش هاجس الرعب من (تهمة) الانتماء الى أصوله المعرفية واجتماعه الديني. بل أن هذا الاستلاب والهزيمة، تدفعه ـــ غالباً ـــ الى نقد التراث والمؤسسة الدينية والنظام الاجتماعي الديني نقداً قاسياً، شخصانياً تارة، وغير تخصصي تارة أخرى. ويصل الأمر الى مستوى إعلان الحرب عليها، والمساهمة في تشويهها وضربها وتدميرها.

والمفارقة أن المثقف المستلب الذي ينتمي الى بيئة مسلمة، ولا سيما المثقف العلماني العربي، هو الأكثر ازدراءً لمفهوم الدين عموماً وللإسلام خصوصاً، والأكثر طعناً بالأصول الإسلامية، والأكثر سخرية من المؤسسة الدينية والمتدينين. على العكس من أغلبية المثقفين العلمانيين الغربيين، الذين وصلوا الى قناعة المصالحة مع الدين، واحترام المؤسسة الدينية والمتدينين. والسبب يعود الى أن المثقف العلماني الغربي منسجم مع واقعه الاجتماعي ومع حقيقة دينه المسيحي الروحي ومع الاستحالات الايديولوجية التراكمية التي عاشها طيلة قرون. أما المثقف العلماني ذو الجذور المسلمة، فهو يحاول التماهي مع هذه الاستحالات التي لاتمت الى الواقع الإسلامي بصلة، والتشبه بجداليات ماقبل عصر النهضة الاوربية، ولذلك؛ يصطدم بقوة بدين مختلف وشريعة مختلفة وواقع مختلف؛ الأمر الذي يدفعه الى شن حروب انفعالية خاسرة على الدين ونظامه الاجتماعي.

    وحين يعلن المثقف المسلم المستلب، استقلاله عن ما يسميه علماء الاجتماع الغربيين بالسلطات التي ينبغي للمثقف أن يستقل عنها، وينتقدها من خارجها؛ فهذا يعني أنه منفصلٌ عن اجتماعه الديني والثقافي والسياسي، وأنه لاينتمي الى المرجعية الدينية والجماعات السياسية الاسلامية والحكم الإسلامي والمؤسسة الدينية والمؤسسة الاجتماعية وغيرها؛ لأنه انتماءه إليها يقوده تلقائياً الى الدفاع عنها وتسويغ أحكامها وأدائها، وهو مايتعارض مع مفهوم المثقف في الرؤية الغربية. وهذا الفهم يعمل على إفراغ النظام الاجتماعي الديني الإسلامي من عنصر قوة بشري نوعي مهم، وهو عنصر المثقف، فضلاً عن أنه لايعي أن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة والمحاسبة والتواصي بالحق، يفرض على المثقف الإسلامي أن يمارس دور النقد البنّاء والتقويم السليم بكل جرأة ووضوح، ولايركن الى الصمت والتسويغ غير الواعي والدفاع بالباطل؛ لأن ذلك يتعارض مع بديهيات الايديولوجيا الإسلامية.

    ولعل تشكيل طبقة «انتلجنتسيا إسلامية» حقيقية، تخوض غمار النقد والتقويم للنظام الاجتماعي الديني ومكوناته، وللواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي؛ هي صلب مهمة المثقف الإسلامي. ومع افتراض سلامة أهداف عملية الإصلاح والتصحيح وإعادة البناء التي تطمح اليها طبقة المثقفين الإسلاميين؛ فإن اختيار الوسائل والأساليب، لابد أن يكون مدروساً بعناية، كونها المقدمة الضرورية لصحة العملية بمضمونها المعرفي والتطبيقي السليم. وتستند هذه المقدمة الى أربع قواعد أساسية:

1-  إبعاد الثوابت الإسلامية المقدسة عن عملية النقد، والمقصود بهما القرآن الكريم والصحيح من السنة. أما القراءة التخصصية المتجددة لهما، والتي تنطوي على نقد التراث والقراءات التقليدية؛ فهي تدخل في صلب عملية النقد البنّاء، شرط أن يكون النقد تخصصياً، والناقد يتمتع بكل المؤهلات العلمية المطلوبة. 

2-  مراعاة ظروف الزمان والمكان، والأطر الشرعية والأخلاقية، والمصلحة العليا، فالنقد يكون حراماً أحياناً، وأخرى واجباً وثالثة مستحباً؛ لأن الهدف من عملية النقد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو البناء والتغيير نحو الأفضل، وليس النقد من أجل النقد، أو النقد دون النظر الى النتائج التي ستترتب عليه.

3-  انسجام النقد والتقويم مع الواقع الشخصي للمثقف؛ إذ ينبغي أن يبدأ بنقد نفسه وواقعه قبل نقد الآخرين ونقد الظواهر العام؛ لأن محاسبة النفس والتقويم الذاتي وإعادة بناء الشخصية بما ينسجم ودور المثقف وأهدافه، هو ميدانه الأول، ثم يتحرك في حدود تخصصه وثقافته نحو الأفق الخارجي.

4-  انتماء المثقف الإسلامي الى نظامه الاجتماعي الديني ومكوناته، وفق خياراته وتخصصه، وهو انتماء مركب ينطوي على أكثر من انتماء فرعي. ولاتلغي هذه الانتماءات دور المثقف الإسلامي في عملية النقد والمحاسبة والنصيحة، بل العكس كما ذكرنا. ومن خلال هذه الانتماءات، يعبر المثقف الإسلامي عن عقديته ومسؤوليته، ولايكون مجرد مثقـف معرفي أو نقدي أو عقلاني أو حر أو متنور، أو أي تعبير مستورد آخر يحاول بعض المنفعلين فرضه على الواقع الإسلامي.

    وعليه؛ يتلخص دور المثقف الإسلامي ووظيفته بما يلي:

1 - على الصعيد الفردي: يبني نفسه وعقله وشخصيته، بناءً عقدياً وروحياً وثقافياً وعلمياً، ويحصنها في مواجهة كل التحديات والمغريات والشبهات، ويحاسبها باستمرار. وهذا الصعيد هو الميدان الأول للمثقـف الإسلامي، وهو منطلقه في الحركة والعمل.

2 - على الصعيد النظري: يقوم بدراسة الواقع العام بكل أبعاده الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية، ويكتشف سلبياته وإيجابياته؛ ثم يعمل على تقوية الإيجابيات، وينتقد السلبيات ويصلحها، عبر الكتابة والخطابة والبحث العلمي والتخطط والبرمجة العلمية.

3 - على الصعيد العملي: ينزل الى الميدان ويختلط بالناس، ويتبني قضاياهم ذات الصلة بالدولة والنظام الاجتماعي الديني والعادات والتقاليد والجانب المعيشي والثقافي والتعليمي والصحي والخدمي، وممارسة عملية التوعية والتغيير والبناء، ممارسة ميدانية مباشرة.

    هذه المجالات الثلاثة لا ينفصل أحدها عن الآخر، ولايخوض المثقف الإسلامي فيها بشكل فردي أو بمعزل عن المفكر والفقيه، بل هي مهام جماعية تكافلية تكاملية، تقوم بها جماعات المثقفين الإسلاميين، بمختلف عناوينهم التخصصية والحركية والدينية،    ويتكاملون فيها مع نظريات المفكرين الإسلاميين، ويسترشدون بفتاوى الفقهاء ومواقفهم. ولاشك أن تحويل هذه الرؤية الى منظومة عمل، بحاجة إلى وقفة بحثية وميدانية طويلة، لبلورة موقع المثقف الإسلامي وأدواره ومسؤولياته الدينية والمعرفية والسياسية والاجتماعية، وعلاقته المعرفية والشرعية بالمفكر والفقيه، وخاصة في المرحلة التي تشرّب فيها بعض المثقفين المقولات المنهجية المتغربة بشأن المثقف وموقعه وعلاقاته، والتي أفرزها واقع لا يمت إلى الإسلام بصلة.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاكثر مشاهدة في (دراسات)
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3125
يورو 1428.57
الجنيه المصري 76.1
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 1666.67
دينار كويتي 3846.15
ليرة لبنانية 0.79
ريال عماني 3125
ريال قطري 326.8
ريال سعودي 317.46
ليرة سورية 2.32
دولار امريكي 1190.48
ريال يمني 4.76
التعليقات
لمياء سعد عبد اللطيف : حولت الكي كارد الى ماستر وقطع راتبي لمدة ٤٥يوم كما يقولون ومعظم المتقاعدين يعانون من هذه المشكلة ...
الموضوع :
مجلس الوزراء : موقع الكتروني لإستقبال الشكاوى وتقديم التعيينات
ابن الكاظمية المقدسة : لعد تعلموا زين ...من مسوين مناهجكم عائشة أم المؤمنين و الحكام الأمويين والسياسيين خلفاء لرسول الله صلى ...
الموضوع :
بالفيديو .... هذا ما يدرسه السنة لابنائهم في مرحلة الثانوية وياتي المدعو كمال الحيدري ليقول ان الشيعة يكفرون السنة
Sadiq U Alshuraify : I read your article is really good I like it ...
الموضوع :
ألم تقرأوا الرسائل أبداً؟!
أبو علي : أنا أحد منتسبي شبكة الإعلام العراقي منذ تسنم الجوكري نبيل جاسم إدارة الشبكة والى اليوم لاحظنا أن ...
الموضوع :
قناة العرقية..السلام عليكم اخوان..!
علي الدر : تقارير مهمه للمتابعه ...
الموضوع :
مالذي حكت عنه هيلاري كلينتون بوثائقها البسرية؟!
ابو اوس : السلام عليكم القانون العرافي في حضانة ونفقة الاطفال قانون ظالم لا يتبع الشريعة الاسلامية ، وهو قانون ...
الموضوع :
النظر في قانون الاحوال المدنية وكثرة الطلاق في العراق
مازن عبد الغني محمد مهدي : السلام على سيدتنا امن بت وهب ولعنه الله الدائمة على زرقاء اليمامة بحق محمد واله الاطهار المطهرين ...
الموضوع :
زرقاء اليمامة وعملية اغتيال النبي محمد( ص) ؟
مازن عبد الغني محمد مهدي : الله يفضح الظالمين بحق محمد واله الاطهار المطهرين اعتء الاسلام اعداء ال محمد الطيبين الطاهرين بحق محمد ...
الموضوع :
فضيحة مدوية.. تورط وزير إماراتي بـ'اعتداء جنسي على موظفة بريطانية
قاسم عبود : الحقيقة انا لا اصدق ان بعض العاملين في موقع براثا لا يعرفوا كيفية اختيار المواضيع للنشر . ...
الموضوع :
فنان..يؤخر رحلة عنان..!
أحمد عبدالله : كتاب نهج البلاغة بالانجليزية ...
الموضوع :
أنجاز كتاب "نهج البلاغة" يتضمن النص العربي الأصلي مع ترجمته الإنجليزية
فيسبوك