دراسات

الشيعة بين الانتظار والتمهيد - القسم الثالث –  


رياض البغدادي||

 

·        «التمهيد» بدل «الانتظار»

كان للتطور الكبير الذي احدثه الامام الخميني (رض) على فهم الميراث الفقهيّ والعقديّ في الدرس الحوزويّ أثر كبير على مسار التشيّع برمّته، إذ حلّت -بفطنة وذكاء تامّ- نظريَّة «التمهيد» محلّ نظريَّة «الانتظار» في الحوزة الدينيَّة بمدينة قم وغيرها ، ومن ثم تبنيها من قبل الأعم الأغلب من العلماء بحيث قلما تجد درساً  من مجالس الدروس العالية في المؤسسة الدينية الشيعية في العراق وايران ولبنان وغيرها من الدول التي فيها حوزات شيعية الا وقد تأثر بتلك النظريَّة، وقد حدث ذلك بموازاة المد الثوري الشعبي في ايران وكذلك في العراق الذي تفاعل بشكل ايجابي مع نظريَّة التمهيد/ الخمينيَّة ،وقد غزت هذه النظرية كل مؤسسات الدولة التعليميَّة والثقافيَّة والتربويَّة في ايران .

هذا التحوّل، بل الانقلاب، على الفكر العقديّ الشيعيّ الموروث والمستقرّ لما يقرب من ألف سنة يوضحه الامام الخميني بقوله: «قد مرّ على الغيبة لإمامنا المهديّ أكثر من ألف سنة، وقد تمرّ ألوف السنين قبل أن تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظَر. في طول هذه المدة، هل تبقى أحكام الإسلام معطلة، يعمل الناس خلالها ما يشاؤون ؟ ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج ؟ هل ينبغي أن يخسر الإسلام من بعد الغيبة الصغرى كل شيء ؟ الذهاب إلى هذا الرأي أسوأ في نظري من الاعتقاد بأنّ الإسلام منسوخ»(10). وهذا النصّ خطير جدًّا لما يختزنه من جرأة وشجاعة في ترجيح الاستدلال العقلي لفهم جديد يعرضه على الموروث العقديّ والدرس الدينيّ المستقرّ، وبإصرار كبير من الامام للأسباب التي ذكرها، وهي في مجملها عقلية لفهمه الجديد للنصوص، أتاح له ارباك المتشبثين بالفهم السلبي للانتظار من علماء الامامية، واجبرهم على اعادة النظر في فهم أقوال الفقهاء القدامى الذين هم بمثابة أعمدة المذهب

ونلاحظ كذلك أنه رضوان الله عليه أستخدم مصطلح الإسلام بدلاً من المذهب في كل طرحه الفكري لهذه النظرية، يقول الامام الخميني «هل ينبغي أن يخسر الإسلام من بعد الغيبة الصغرى كلّ شيء ؟»، وذلك يوضح اصراره على اقناع كل الحواضر العلمية في العالم الاسلامي بنظريته الفريدة التي اعطت الفاعلية للانتظار الذي لم يتبنَّهُ غير الشيعة من المذاهب الاسلامية الاخرى بالرغم من ايمانهم بأصل القضية المهدوية فلا عذر لاحد بعد طرحه لنظرية التمهيد التي القت بمسؤولية تعجيل الظهور على المسلمين انفسهم ويكون بذلك قد نجح في توحيد المسلمين تحت راية التمهيد بدل راية الانتظار السلبي التي فرقت كلمتهم لمئات السنين ووضع بذلك نهاية لكل الاشكالات الكلامية التي كان يقدمها علماء المذاهب الاخرى على عقيدة الانتظار السلبي حيث كان القدماء من علماء المذهب اعلى الله مقامهم لم يروا ان الاشكاليات على الانتظار السلبي الذي كان سائداً بمثابة الإشكاليَّة عندهم لأنهم تعاملوا مع الواقع بالتقيّة والصبر والانعزال وعدم الانخراط في مؤسسات الدولة الظالمة بل وعدم مواجهتها بأيّ نوع من أنواع المواجهة الا في حالات بسيطة لا تتعدى المطالبة بحقوق المواطنة والحرية في إقامة المراسم الخاصة بالمذهب أو قيادتهم لجحافل الجهاد الدفاعي في مواجهة الاستعمار الاجنبي وكل ذلك لايُعد عملاً سياسياً مباشراً ، وعدوا هذا الموقف مبدأً عقائدياً لا موقفاً سياسياً متغيراً عملاً بإستحقاقات القول بالغيبة ونصوص وجوب الانتظار ويكونون بذلك "في حلٍ من أية مسؤولية شرعية في تعجيل الظهور فضلاً عن التمهيد له" (11).

 بخلاف الامام الخميني ومن تبنى مدرسته الفكري الجديدة الذين عدوا مسؤولية الظهور مسؤولية مشتركة يتناصف في تحملها المسلمون مع أمامهم الغائب ( فلا ظهور من غير تمهيد ولا عدل من غير ظهور ) واصبح هذا الموقف الشرعي الجديد استراتيجية لا يمكن التنصل من مسؤولية تحمل عبئها حتى على المستوى الشخصي لكل مسلم فضلاً عن المستوى الاجتماعي العام، وهذا بدوره عزز الموقف العلمي القائل بالولاية العامة للفقيه التي تُعد هي الاخرى انقلاباً على المتبنيات الفكرية السابقة لمذهب الامامية والذي يلخصه الشريف المرتضى(12)، وهو من أعلام القرن الخامس الهجريّ وأحد أكبر فقهاء الشيعة الإماميَّة، يقول: «ليس علينا إقامة الأمراء، إذا كان الإمام مغلوبًا، كما لا يجب علينا إقامة الإمام في الأصل، ليست إقامة الإمام واختياره من فروضنا فيلزمنا إقامته، ولا نحن مخاطبون بإقامة الحدود فيلزمنا الذمّ بتضييعها»(13).

 فالتكليف مُنتفٍ أصلًا لتنصيب الإمام بعبارة المرتضى، لأنّ تلك المُهِمَّة هي من مهامّ الأئمَّة المعصومين (ع) الذين حُدّدوا سلفًا -في العقيدة الاثني عشريَّة- فليس لبشر أن يتدخّل في تلك العمليَّة الإلهيَّة المحضة، فالاختيار إلهيّ والتنصيبُ إلهيّ كذلك. وفي حالة غياب المعصوم ليس عليهم سوى الانتظار لأنه المُخَلِّص. 

وهذا الخطّ كان هو الخطّ الرئيس للتشيع الإماميّ قديمًا وحديثًا حتى جاء التحوّل الكبير الذي حصل على يد الامام الخميني بعد الثورة الاسلامية في العام 1979 (14).

كان بإمكان الامام الخميني أن يدمج عموم الشيعة في الدول السنّيَّة والوطنيَّة الحديثة، سيرًا على منهج الشريف المرتضى وعموم فقهاء الشيعة السابقين، لكنه بفطنته ورجاحة عقله انتج هذا الفهم الجديد للنصوص القرآنية والموروث الروائي المعصوم مما احدث هذا الانقلاب الكبير على الإرث الشيعيّ الامامي لأستعادة الدور المغَيّب لرجل الدين في القضايا العامة التي تخص المسلمين تمهيدًا لبناء الدولة الاسلامية الممهدة للظهور الشريف، فلولا قوله بفساد عقيدة الانتظار  السلبي ما وُجد الالزام الشرعي لبناء دولة التمهيد .. ... يتبع

 

في القسم الرابع سوف نبدأ بالموضوع التالي ( المهديّ في التجاذبات السياسيَّة)

ــــــــــــ

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3125
يورو 1408.45
الجنيه المصري 75.82
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 1666.67
دينار كويتي 3846.15
ليرة لبنانية 0.78
ريال عماني 3125
ريال قطري 326.8
ريال سعودي 317.46
ليرة سورية 2.32
دولار امريكي 1190.48
ريال يمني 4.75
التعليقات
زيد مغير : إنما الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة. صدق الصادق الأمين حبيب اله العالمين محمد صلى الله عليه واله. ...
الموضوع :
الشيخ جلال الدين الصغير : قالوا: سيفتك الوباء بالملايين منكم إن ذهبتم؟ فذهبنا ولم نجد الوباء! فأين ذهب حينما زرنا الحسين ع؟
حيدر عبد الامير : القسط يستقطع من راتب المستلف مباشرة من قبل الدائره المنتسب لها او من قبل المصرف واذا كان ...
الموضوع :
استلام سلفة الـ«100 راتب» مرهون بموافقة المدراء.. والفائدة ليست تراكمية
نذير الحسن : جزاكم الله عنا بالاحسان احسانا وبالسيئة صفحا وعفوا وغفرانا ...
الموضوع :
أنجاز كتاب "نهج البلاغة" يتضمن النص العربي الأصلي مع ترجمته الإنجليزية
مازن عبد الغني محمد مهدي : لعنة على البعثيين الصداميين المجرمين الطغاة الظلمه ولعنة الله على صدام وزبانيته وعلى كل من ظلم ال ...
الموضوع :
كيف تجرأ الجوكر والبعث على إنتهاك حرمة أربعين الحسين؟
حسين غويل علوان عبد ال خنفر : بسم الله الرحمن الرحيم انا الاعب حسين غويل الذي مثلت المنتخب الوطني العراقي بالمصارعه الرومانيه وكان خير ...
الموضوع :
مجلس الوزراء : موقع الكتروني لإستقبال الشكاوى وتقديم التعيينات
ابو محمد : عجيب هذا التهاون مع هذه الشرذمة.. ما بُنيَ على اساس خاوٍ كيف نرجو منه الخير.. خدعوا امّة ...
الموضوع :
أحداث كربلاء المقدسة متوقعة وهناك المزيد..
عمار حسن حميد مجيد : السلام عليكم اني احد خريجي اكاديميه العراق للطران قسم هندسة صيانة طائرات و اعمل في شركة الخطوط ...
الموضوع :
الدفاع: دعوة تطوع على ملاك القوة الجوية لعدد من اختصاصات الكليات الهندسية والعلوم واللغات
ابو عباس الشويلي : صاحب المقال انته تثرد بصف الصحن اي حسنيون اي زياره اي تفسير لما حدث قالو وقلنا هم ...
الموضوع :
لاتعبثوا ..بالحسين!
علاء فالح ديوان عويز : السلام عليكم انا الجريح علاء فالح ديوان مصاب في محافظة الديوانية في نفجار سوق السمك عام2012/7 ولم ...
الموضوع :
دائرة شؤون المواطنين في الأمانة العامة لمجلس الوزراء تستقبل شكاوى المواطنين عبر موقعها الإلكتروني
ابو محمد : وهل تصدق ان ماجرى هو تصحيح للواقع ؟ ماجرى هو خطة دقيقة للتخريب للاسف نفذها الجهلة رغم ...
الموضوع :
بين تَشْرينَيْن..!
فيسبوك