دراسات

رؤية من اجل العراق . ( 2 مِنْ 3) عن الركيزة الأولى : سيادة العراق الداخلية و الخارجية .


 

د . جواد الهنداوي*

 

             على رئيس الوزراء القادم أنْ يعتبر موضوع احترام و ترسيخ سيادة العراق أساساً جوهرياً لنجاح مهمته ، و أنْ يوليه الأولوية .

          و حين نتحدث او نكتب عن سيادة العراق ،

تتجهُ افكار المُستمع او انظار القارئ ، و لللوهلة الأولى ، الى أيران او امريكا او التدخل الخارجي ، ولكن السيادة تنمو و تترعرع وتكبر وتثمِرْ من الداخل ،من العراق .

         لا سيادة خارجية للعراق إن هو خاوي من سيادة داخلية . السيادة الداخلية تُفرضْ و لا تأتي بالطلب والرجاء، تُفرض على المواطن وعلى المجتمع وعلى الدولة . السيادة الداخلية هي " عباءة الدولة "، هي رداء الدولة ، وعندما تتسخ وتتهرأ عباءة الدولة ، لن يحترمها الغريب ( سيادة خارجية) .

       وسائل فرض السيادة الداخلية هي القانون و قوى الامن ،شريطة ان يضمن تطبيقهما او استخدامهما العدالة بين أفراد المجتمع والعدالة بين المواطن والدولة . سيادة العراق الداخلية عليلة ، و مِنْ اسباب دائها  هو عدم او سوء تطبيق القانون ، والأسباب الاخرى تكمنُ  في سلوك المواطن ،حاكماً كان او محكوماً . سوء سلوك الفرد حاكماً كان او رعية هو الذي انتج الفساد ، وساهم في تدوير وانتشار الفساد . مواجهة الفساد و سوء السلوك واجبٌ على المواطن والمسؤول و الواعظ ، وتبدا مواجهة الفساد من العائلة و المدرسة و الشارع و الجامع والحسينيّة و من مرافق الدولة .

  مواجهة الفساد تقتضي ولاء و حُبٌ المواطن للدولة ،و الولاء لا يكون الاّ اذا شعرَ المواطن بواجبات الدولة تجاهه . ادركُ تماماً بأنَّ رئيس الوزراء القادم ، و مهما أوتيَّ من قوة ، لايستطيع إنجاز المطلوب وهو التخلص والقضاء على الفساد ، ولكن يستطيع أن يبدأ ، ويضع العراق على طريق هذا الإصلاح .

         لا ينحسرُ اثر الفساد ، الذي يستشري في جسد الدولة والمجتمع ، على السيادة الداخلية ، وانماّ أيضاً وبشكل كبير على سمعة ومكانة وهيبة الدولة وسيادتها الخارجية . لاتثقُ الشركات الأجنبية و الدول في العمل في العراق ، مما يحرمُ الدولة من استثمارات وتعامل اقتصادي تجاري و مصرفي مقبول و مُنتجْ .

      ليس الفساد وحدهُ المسؤول عن تهرأ السيادة الداخلية في العراق ، وانما الاستخدام السئ للانتماءات الطائفية والعشائرية والقومية و توظيفها من اجل استخدام الدولة ،من اجل إضعاف الدولة . بالتأكيد، لا يمكن إلغاء او محو هذه الانتماءات ، ولكن ينبغي توظيفها لتعزيز كيان الدولة وسيادتها الداخلية ، ينبغي تقنينها لما فيه مصلحة الدولة . ما هو سبيلنا لذلك ؟

      السبيل الى ذلك يمّرُ عبر نخبة سياسية وطنية و ناضجة ، قادرة على انتاج مجلس نيابي وطني و ليس فئوي او طائفي او قومي ، نوّابه يؤمنون ،  وهم تحت قبّة البرلمان او المجلس ، بانهم يمثلون ليس طائفتهم او دينهم او قوميتهم و إنما يمثّلون العراق ! يصّوتون لصالح هذا او ذاك القرار على اساس مصلحة العراق وليس مصلحة حزبهم او مصلحة قوميتهم او طائفتهم .

     مهمة الحزب الوطني هو العمل لبناء الدولة عندما يتزعم الحزب السلطة او يشارك فيها . بينما ديدن الحزب الفئوي او الطائفي هو العمل على بناء الحزب او الفئة او الطائفة عندما يتولى الحزب السلطة او يشارك في ممارستها .

      لاسيادة داخلية لدولة لا تحتكرُ امتلاك و استخدام السلاح ، و ينبغي على الدولة السعي لتحقيق هدف احتكارها السلاح ، ويتوقف نجاحها على قدرتها في احتواء الفصائل المسلحة ، بالتواصل وتبادل الأفكار السياسية و أشعارها بأنَّ الدولة تقف سداً منيعاً لمنع أية انتهاكات خارجية لسيادة العراق ،ينبغي أستمالة الفصائل للعمل من اجل سيادة العراق والدفاع عن العراق . على الفصائل ادراك المعادلة التالية : " لا سيادة خارجية للعراق مالمْ تكْ له سيادة داخلية " .

     عندما يتحصّنْ العراق بقيادة تنفيذية قوية ، قادرة على منع الفساد و منع التجاوزات و منع الاعتداءات و الاغتيالات الخارجية ، سيكون قادراً على احتواء الفصائل و أقناعها و دمجها جميعها في كيان الدولة .

      السيادة الداخلية للدولة أذاً هي الأساس لسيادته الخارجية .لم يَعُدْ امراً صعباً على انتهاك السيادة الخارجية لدولة ما ؛ العولمة و حقوق الانسان و التجارة الدولية و القروض الدولية  والإرهاب ،جميعها اسباب و مُبررات للدول الكبرى والإقليمية والقوية على التدخل في شؤون الدول الاخرى وانتهاك سيادتها . فوضى اليوم و سيادة شريعة الأقوى جعلتنا نتعايش ليس فقط مع مفهوم " انتهاك السيادة الخارجية " او التدخل الخارجي ، و إنما حتى مع احتلال لجزء من أراضي الدولة ،او الاعتداء عسكرياً على مرافق الدولة .ما حدثَ في العراق في ٢٠١٠/١/٣ مِنْ قبلَ الطائرات الامريكية هو ابعد من انتهاك للسيادة ، هو اعتداء على العراق ، ما يحدث في سوريا ، و من قبل تركيا و امريكا هو حرب على سوريا واحتلال لجزء من أراضيها ، هو ليس فقط انتهاك للسيادة الخارجية لدولة .

      اصدقاءنا الامريكان ، ينصحوننا و يطالبوننا بجهود من اجل حصر السلاح بيد الدولة و مواجهة " الميليشيات " الخارجة عن القانون و جمع سلاحها ،لكنهم ،للاسف الشديد ، بانتهاكاتهم لسيادة العراق و اعتداءاتهم في العراق وفي المنطقة ، يُبرّرون للفصائل تمسكها بالسلاح بحجة دفاعها عن سيادة العراق والدفاع عن أراضيه .

     الدولة ، و خاصة بعد وباء كورونا ، بحاجة الى أصدقاء يعينونها على ادارة التحديات و المخاطر التي تُحيط بها او تعيش بداخلها ، وليست بحاجة الى صديق

يكرر الاعتداءات عليها و اعتاد على انتهاك سيادتها .

     تكتسبُ الدولة مناعتها في الحفاظ على سيادتها الخارجية مِنْ قوة وتمّكن داخلها . هذه رسالة الى الدولة والى المواطن والى الأحزاب و الى الفصائل المسلحة وغيرها  : لا سيادة خارجية لدولة لا تمتلك سيادتها الداخلية .

*سفير سابق لجمهورية العراق رئيس المركز العربي الاوربي للسياسات و تعزيز القدرات

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3125
يورو 1351.35
الجنيه المصري 73.31
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 1666.67
دينار كويتي 3846.15
ليرة لبنانية 0.79
ريال عماني 3125
ريال قطري 326.8
ريال سعودي 316.46
ليرة سورية 2.32
دولار امريكي 1190.48
ريال يمني 4.75
التعليقات
علي : يوجد في النجف حي السلام 300 ساحات عامةواخذت من قبل المواطنيين وعملوهاحدائق خاصة لهم وهي ملكية عامة ...
الموضوع :
11صندوقا لشكاوى المواطنين في محافظة النجف
مرتضى : يجب اخراجهم من العراق فهذا راي الشعب الحر واذا لم يقبلوا بذلك يجب ان نخرجهم بشكل يذلهم ...
الموضوع :
(المجال الحيوي ) في مفاوضات واشنطن وبغداد المقبلة  
مرتضى : يقصد بالكلاب الاكثر شراسة هو ومستشاريه وحاشيته ...
الموضوع :
ترامب: لو اجتاز المتظاهرون جدار البيت الأبيض لواجهوا الكلاب الأكثر شراسة
مازن عبد الغني محمد مهدي : السلام عليكم ورحمه الله وبركاته ,,,اللهم العن اول ظالم ظلم حق محمد وال محمد واخر تابع له ...
الموضوع :
◾ الثامن من شوال ..ذكرى هدم مقبرة جنة البقيع في المدينة المنورة ..◾  
Huda : بالتاكيد هي حرب بين العمالقه والاهم فيها هو الربح المادي وهذه هي نتائج العالم المادي الذي تدعو ...
الموضوع :
الوباء القادم
زيد مغير : الاستاذ الجليل محمود الهاشمي ده اجمل التحيات. النقطة الخامسة الذي ذكرتها هي من أهم الحلول وأعني بذلك ...
الموضوع :
بعد ان استشرى وبات"خطراً" على مصير البلد  ..كيف نواجه "الاعلام المأجور"؟  
زيد مغير : كما عودتنا أستاذنا الكريم سامي جواد أن حبر قلمك اسمه حبر الحق وفقك الله ودمت لنا ...
الموضوع :
من يلتحق بايران وفنزويلا ؟!  
زيد مغير : من اجمل ما قرأت لك الله الصادق محمد صادق الهاشمي ...
الموضوع :
أبعاد إيصال النفط الايراني الى فنزويلا  
AYAD ALSAFI : ما بال رواتب البعثين والأجهزة القمعية التي يصل عددها خمس مئة وخمسون ألفا كلهم يأخذون رواتب عاليه ...
الموضوع :
النفط والموازنة كلاهما لعبة سياسية وطريق المعالجات  
ميثم : https://youtu.be/3mFhzsn7l4U اسوء الانترنيت ...
الموضوع :
شركة ايرث لنك لخدمات الانترنت تبدأ بتخفيض اسعار الاشتراك بمنظومتها
فيسبوك