دراسات

تيار شهيد المحراب وعملية بناء الدولة ـ مقاربة راهنة ـ


علي عبد سلمان

 

لعل أهم سمة سياسية للمرحلة موضوعيا هي استمرار تيار شهيد المحراب بالعمل على رسم أهم ملامح الحياة السياسية، واستمرار لعب  دور الفاعل الرئيسي في الساحة السياسية، وذلك في ظل أزمة حزبية عامة وإحجام النخب عن القيام بدورها ، بموقف حينا وبدونه أحيانا أخرى، مما جعل ثقة الجماهير في الحياة السياسية ككل تهتز، و هو ما تترجمه المشاركات الشعبية الضعيفة في الاستحقاقات الأخيرة...و ليس في الأمر ما يدعو إلى تكرار التساؤل حول ما إذا كانت عملية بناء الدولة تعيش أزمة؛ إن الحديث عن أزمة الدولة أو حتى ضعفها هو تحليل غير دقيق لأنه يقيم وضع الدولة من موقع وبآليات وبمنطق حزبي، وليس من موقعها و فق أولوياتها هي، و هذا ما يجعل القوى السياسية كلما تعيش أزمة تعتقد أن الدولة تعيش نفس الأزمة، والحال أن الأمر ليس دائما صحيحا، لكن في حالة  ينبغي التأكيد على أن قوة الدولة التي تحدثنا عنها ما هي إلا الوجه الأخر لضعف الأحزاب السياسية . فكون الدولة هي التي تهيمن على الحياة السياسية و ترسم ملامحها، فذلك دليل قوتها و نجاحها في الإمساك بكل خيوط و تفاصيل الحياة العامة (سياسيا، اقتصاديا…) مما يضمن استمراريتها،علما بان الاستمرارية هي الهدف الجوهري في الأنظمة  وليس تحقيق الأتفاقات السياسية ذات الطبيعة التعاقدية و التي ترتبط بها مصائر الحكومات والرؤساء في الأنظمة الأخرى .

وعلى عكس الخطاب الحزبي الذي تكرر في الفترة الأخيرة بدون كثير من التمحيص والتدقيق،والذي يذهب إلى أن الحقل السياسي يتجه أكثر نحو الانغلاق ، نقول إن هذه الخلاصة إن لم تكن خاطئة فهي على الأقل غير دقيقة: إذ على الرغم من استمرار احتفاظ الدولة بكثير من ثوابتها خاصة على المستوى الاقتصادي، حيت استمرار تمركز الثروة وسياسة الريع، فان ذلك لا ينبغي أن يخفى عنا ملامح ومؤشرات كثيرة للانفتاح–علما بان الحقل السياسي تتداخل فيه عناصر كثيرة، ينبغي أخدها بعين الاعتبار في مسألة اتجاه هذا الحقل نحو مزيد من الانغلاق أو العكس...

وليس كل النشاط السياسي يفترض المنافسة، ففي معظم الأحيان تقتضي الحاجة الى وجود نوع من العمل المشترك مع قوى سياسية أخرى يسمى تنسيق مواقف، ويمكن أن يتطور هذا التنسيق في المواقف الى حالة متقدمة هي التحالفات أو حتى الاندماج، وهما  أمر مهم و مفيد في الحياة السياسية وأحيانا يكون ضروريا، وهو في النهاية وسيلة، قد نحقق على الأقل هدفين أولهما العمل على شعارات واضحة قابلة للتحقيق في المدى المنظور.

 والثاني  تقريب المسافة مع مكونات أخرى. غير أن مشهدنا السياسي العراقي إشتمل على نوع من التحالفات أو الإندماجات من النوع غير المجدي بل والضار بالعملية السياسية ككل، إذ أن اجتماع حزب ضعيف بحزب أضعف منه لا يمكن اعتباره تحالفا، لان التحالف هدفه القوة، و تحالف حزب ضعيف مع حزب آخرمن نفس الصنف وبنفس المستوى من الضعف أو أقل لا ينتج قوة بل ينتج ضعفا مضاعفا، ففي مثل هكذا تتحالف إو إندماج  تسود ذات المعادلة المعروفة في نواميس الطبيعة، إذ تتنحى الصفات الحسنة وتظهر الصفات السيئة، وبمعنى أدق  فإن العناصر القوية في الأحزاب المتحالفة أو المندمجة مع بعض لاتجد ضرورة لفقدان هويتها الراسخة التي تعني كينونتها لصالح هوية لم تكتمل ملامحها بعد..وينطبق على هكذا تحالفات أو إندماجات قانون السوق ايضا حيث تطرد العملة الرديئة العملة الجيدة، وحينما تسود العملة الرديئة تسود معها طرق إنتاج سلعي تصبح فيها السلع المعروضة رخيصة وكتيرة لكنها رديئة فيما السلع الجيدة غالية ونادرة..

وإذا كنا ننظر بعقل وطني فإن الأرضية الموحدة هي التي يتعين علينا أن نقف عليها مستقبلا، ولن يتم ذلك دون مقدمات تؤسس لبناء مشروع سياسي ديمقراطي مبدئي، متفتح للإجابة على تساؤلات الواقع، آخذا بنظر الإعتبار التطورات الجيوسياسية الدولية والإقليمية والمحلية، والبدء بمحاولة منهجية في التحليل و الفهم و الإستخلاص والإقتراح، يسكنها هاجس التقدم نحو مستقبل سياسي مستقر..ولن يكون ذلك دون إمتياز التعلق بثنائية الفكر والعمل، بدلا من ثنائية الجدل والتراجع السائدة الآن...إننا في أزمة سياسية دائمة، ولن يكون بالإمكان الخروج منها بوقت منظور، وتؤكد هذا التصور المعطيات الراهنة، ولن يكون بالإمكان الخروج من هذه الأزمة بالهروب منها وترحيلها الى الأيام والأسابيع والشهور والسنوات القادمة، إن مسار الترحيل مسار بائس ، وينبيء عن تخلي مؤسف من قبل الساسة عن مسؤوليتهم الوطنية، وإذا كانوا جديين في البحث عن حلول للأزمة الراهنة، فعليهم أولا القيام بتحديد

وحسبنا أن نحيط بالظروف المحلية التي نفعل وننفعل بها، فإذا فهمناها  قدرناها التقدير الصحيح، فتلك خطوة أساسية لتحسين وضعنا،خاصة أن بعض المعطيات العالمية و تأثيرها على وضعنا ـ كبلد وكدولة ـ، والتي نستعملها عادة بجاهزية كبيرة، لم يعد لها مبرر، مثل القول إن الثورات العربية المعاصرة هي نتاج للتحول الديمقراطي في العراق، بل أن مثل هذه الإطروحات كان له تأثير سلبي على وضعنا، والحال أن وضعنا ـ كبلد وكدولة ـ ساء مع حدوث العواصف الأخيرة في المنطقة،و لم يؤد ذلك إلى التأثير ايجابيا علينا مما يعني أن ذلك الارتباط ليس بالبساطة التي نتناوله بها .

ومما تقدم فإن الأمر يتطلب تحديد ملامح المخرجات السلبية في عمل الدولة كي يصار الى وضع حلول عملية قابلة للتطبيق والنفاذ والحياة، ومما لا شك فيه أن هناك تفرعات كثيرة لهذه الملامح لكن عناصرها الأساسية تتمثل بـ:

1-عدم إقدام الساسة على إصلاحات دستورية و سياسية مباشرة، تذهب في اتجاه ربط القرار السياسي بصناديق الاقتراع وتدفع اتجاه دمقرطة الدولة من خلال تحديد السلطة وإعطائها مضمونا حقيقيا للممارسة وخلق التوازن بينها.

2–عدم الإقدام على إصلاح حقيقي لميكانيزمات العملية الانتخابية بما يجعلها عملية حقيقية منطلقا ومنتهى، و يعيد الاعتبار و الثقة لها و لنتائجها.

3–الاستمرار في خلق المؤسسات خارج آليات السلطتين التنفيذية والتشريعية، مما يمس طبيعة و اختصاصات هاتين السلطتين، لكنه يضمن استمرار تحكم الدولة العميق في القرار وآليات تصريفه بوسائل وآليات تخلقها في كل مرحلة حسب الحاجة.

4–عدم الإقدام على إصلاح قضائي حقيقي يجعل القضاء سلطة ويضمن استقلاليته ونزاهته كمدخل أساسي لإصلاح شامل لمنظومة العدالة .

5–استمرار المس بحرية الإعلام والتعبير وشن حرب على الصحافة بمضايقة الصحف والمجلات ومحاكمة الصحافيين وقمع المسيرات والوقفات الاحتجاجية .

تلك إذن مؤشرات سلبية على عدم حصول تحول جوهري في الوضع العام، لكن أكثر من هذه المؤشرات، توجد أمام القوى السياسية والدولة تحديات ومخاطر تعتبر محددات أساسية في تعاطيها مع موضوع الإصلاح.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3125
يورو 1315.79
الجنيه المصري 75.7
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 1694.92
دينار كويتي 4000
ليرة لبنانية 0.79
ريال عماني 3125
ريال قطري 327.87
ريال سعودي 318.47
ليرة سورية 2.32
دولار امريكي 1190.48
ريال يمني 4.77
التعليقات
ابو الهدى الساعدي : سمعت ابيات لطيفة للغاية من احد السادة الأجلاء في مدينة الأهواز قبل اكثر من ١٥عاما تقول : ...
الموضوع :
ومعجم الامام الخميني (رض) السياسي
فرید خیرالله : الا ان حزب الله هم الغا لبون الهم اجعل وحدته فی قلوب المسلمین ...
الموضوع :
آمريكا تبحث عن "اندلسة" العراق
حيدر زهيره : دائما كنت اعتقد ان الشيء الوحيد الذي يصعب علي فهمه هو النظرية النسبية (للمغفور له اينشتين) ولكن ...
الموضوع :
خلف: مجلس الأمن الوطني خول القوات الأمنية باعتقال من يقوم بقطع الطرق وغلق الدوائر
حسين : التاريخ يعيد نفسه ومافعله البعض بالحشد الذي دافع عنهم خير مثال بدون مغالطات لكم التقدير ...
الموضوع :
هل الحسين (ع) دعا على العراق ؟!!!
حسن : ممتاز تقرير يثلج الصدور من جهه انفضاح امر ثورة اللواطين و الجراوي وانحسارها ومن جهه يجعلنا نترقب ...
الموضوع :
الأدلّة على فشل الجوكر الأمريكيّ في العراق
احمد : قام شركة كورك بإرسال رسالة الي جميع مشتركيها بأن نعبا رصيد 8000 دينار مقابل 800 دقيقة للشهر ...
الموضوع :
هيئة الاتصالات تخصص رقماً للمشتركين للشكوى على شركات الهواتف
اخواني انتباه وصلو هذا الخبر لكل قاءد : بسمه تعالى ،،،كل الجواكر الموجودين حاليا بللغوا باوامر بقطع الطرق واختراق البنايات الحكوميه تمهيدا لتسليم مواقعهم لمن ...
الموضوع :
في تحدي سافر لعشائر الناصرية عصابات الجوكر اللقيطة تحرق الاطارات وتقطع الطرق
عون حسين الحجيمي : احسنت بارك الله بيك...جعلك الله من خدام واتباع واشياع اهل للبيت عليهم السلام ...
الموضوع :
قصة السيد ابراهيم المجاب … ” إقرأوها “
اسماعيل احمد : ان اللواء الأول مشاة بقيادة هيثم شغاتي تنسحب من الشريط الساحلي الى عدن وهذه نتيجة الاستفزازات والمؤامرات ...
الموضوع :
إنتكاسة جديدة لعملية السلام في اليمن
حسام تيمور : انهض و خذ من نخيل الرافدين عكازا ... و من سلاح حشدك عصا ... و من دجلة ...
الموضوع :
بالحبر الابيض ... كسر القلوب ...
فيسبوك