التقارير

نفق العراق الانتخابي المظلم

2284 2018-07-10

عادل الجبوري

منذ البداية، وقبل أشهر من موعد اجراء الانتخابات البرلمانية العراقية (12 ايار-مايو 2018)، كانت المؤشرات السلبية والسيئة، والاجواء القلقة والمرتبكة، تتوالى وتلقي بظلالها على عموم المشهد العام في العراق، وكانت مختلف القوى والفاعليات والشخصيات السياسية تدرك وتفهم وتتفهم ذلك، لأنها جزء من الواقع السياسي، بإيجابياته وسلبياته، بمدخلاته ومخرجاته.

وفي أجواء الانتخابات، وما رافقها من سجال حول نسب المشاركة، وسلامة عمل أجهزة العد والفرز الالكترونية، وعمليات التلاعب والتزوير، وصفقات بيع وشراء الاصوات، والتهديدات والضغوطات، ومدى كفاءة وخبرة ونزاهة مفوضية الانتخابات، ناهيك عن حملات التسقيط الاعلامي الممنهج والمنظم، في مثل تلك الاجواء، بدا واضحا ان الامور لا تتحرك بمسارات صحيحة، وان المقدمات الخاطئة لا يمكن أن تنتهي الى نتائج صائبة.
لذلك لم يكن غريباً ومفاجئاً ما حصل بعد الانتخابات من قبيل عدم ظهور النتائج خلال وقت قصير، كما كان مفترضا، باعتبار أن أجهزة العد والفرز الالكتروني تختلف كثيراً عن عمليات العد والفرز اليدوي، من حيث سرعة ظهور النتائج. ومن قبيل تدني نسبة المشاركة، بأقل مما أعلنته مفوضية الانتخابات، حيث أن الأخيرة كانت قد أشارت الى أن النسبة بلغت 44.2%، بينما ذهبت أوساط سياسية عديدة الى ان النسبة الحقيقية للمشاركة لم تتعد 30%، وهذه الارقام المتواضعة، لا ترتبط بعزوف الناس فقط، وانما ترتبط بإشكالات فنية وتقنية حالت دون تمكن أعداد لا يستهان بها من المواطنين من التصويت رغم ذهابهم الى المراكز الانتخابية
وفيما بعد راحت التشكيكات بمصداقية الانتخابات تتنامى، ودائرة الانتقادات لاعضاء المفوضية تتسع، لتصل الى تبادل الاتهامات بالفساد والتلاعب والتزوير فيما بينهم.

هذا وغيره، جعل الاصوات تتعالى والدعوات تتزايد، لمعالجة وتلافي الأخطاء والتجاوزات، من خلال إلغاء أصوات الخارج والنازحين والتصويت الخاص والمشروط، أو اعادة العد والفرز يدوياً لنسبة معينة من صناديق الاقتراع، أو حتى اللجوء الى العد والفرز اليدوي لكل الأصوات.

ورغم الكثير من الشد والجذب، فإن المؤسستين التنفيذية (الحكومة) والتشريعية (البرلمان)، تبنتا مثل تلك التوجهات، اذ إن الأولى صوتت في الخامس من شهر حزيران - يونيو الجاري، على توصيات اللجنة المشكلة من هيئة النزاهة والرقابة المالية وجهاز المخابرات والامن الوطني للنظر في الشبهات المثارة حول الانتخابات، ومن بين تلك التوصيات، اجراء العدّ والفرز اليدوي بما لا يقل عن 5% في جميع المراكز، وإلغاء نتائج انتخابات الخارج والنازحين لثبوت خروقات تزوير جسيمة ومتعمدة وتواطؤ، وسحب يد مجلس المفوضين في مفوضية الانتخابات واحالتهم للتحقيق، ومنع سفر من هم بدرجة معاون مدير عام فما فوق في المفوضية الى خارج العراق، الا بعد الحصول على الموافقات الاصولية.
أما المؤسسة التشريعية (البرلمان)، فقد صوتت في جلسة استثنائية في السادس من حزيران - يونيو، أي بعد يوم واحد من قرارات مجلس الوزراء، بالمصادقة على قرارات الاخير، من خلال التصويت على التعديل الثالث لقانون انتخابات مجلس النواب المرقم 45 لعام 2013، والقاضي بإعادة عمليات العد والفرز يدويا لكل صناديق الاقتراع، وتجميد عمل مجلس مفوضية الانتخابات واستبدالهم بقضاة يعينهم مجلس القضاء الاعلى.
وبالفعل وجدت تلك القرارات والقوانين والتوصيات طريقها الى التنفيذ السريع والمباشر، الذي بدوره أثار المزيد من الجدل والاعتراضات القانونية.
ولعل مجمل الجدل والسجال تمحور حول أمرين، الاول، هوية الجهات المتورطة بالتلاعب والتزوير، سواء كانت خارجية او داخلية، والامر الثاني، الخيارات والاحتمالات التي يمكن ان تؤول اليها الامور.
ورغم أن أياً من الامرين لا يقل أهمية وخطورة عن الآخر، الا أن البحث في شقه الأكبر يتركز على الامر الثاني، على اعتبار ان الامر الاول بتفاعلاته المختلفة، يدور ويتحرك بداخل أروقة وكواليس الأجهزة الأمنية والرقابية والقضائية المعنية، التي تحرص على ابقائه بعيدا عن المؤثرات السياسية، والتجاذبات الاعلامية. 
والتساؤل الأكثر الحاحاً هنا هو ماذا بعد توصيات وقرارات السلطتين التنفيذية والتشريعية، واجراءات السلطة القضائية؟
حتى الان تبدو الصورة غامضة ومشوشة، ولكن يفترض ان هناك ثلاثة خيارات هي:
-الغاء الانتخابات، واعادة اجرائها مع انتخابات مجالس المحافظات المقررة في الثاني والعشرين من شهر كانون الاول-ديسمبر المقبل، او اي موعد اخر تقرره الجهات المعنية.
-الغاء نتائج العد والفرز الالكتروني، واعتماد الية العد والفرز اليدوي لكل صناديق الاقتراع، مع استبعاد كل ما هو موضع شك وشبهة.
-اعادة عمليات العد والفرز يدويا لنسبة 5% او 10% من العدد الكلي لصناديق الاقتراع.
وفيما يتعلق بالخيار الاول، فإن فرص تحققه تبدو ضئيلة جداً، لأنه حتى الذين لديهم اعتراضات وشكوك، لا يرون بواقعية وصحة الذهاب بذلك الخيار، لما يمكن أن تترتب عليه من تبعات وآثار سلبية وخطيرة، وهو في النهاية لا يخدم الفائزين ولا الخاسرين، علما انه من الصعب جدا ضمان ان تكون نسبة المشاركة بالمستوى المطلوب والمرتجى، في ظل أجواء التشكيك والاحباط والتسقيط.
أما بالنسبة للخيار الثاني، فإنه يمكن أن يدخل البلد في متاهات كبيرة، فضلاً عن كونه يحتاج الى وقت طويل، وأموال طائلة، في الوقت الذي لا يمكن فيه استبعاد امكانية حدوث عمليات تلاعب وتزوير بمقدار معين، مهما كانت الاجراءات الاحترازية شديدة وصارمة. ناهيك عن أن الاعادة الكاملة، لن تفضي الى نتائج وارقام مختلفة بنسبة كبيرة عن النتائج والارقام الحالية، اي انها لن تأتي بواقع جديد يختلف تمام الاختلاف عن الواقع الحالي.
في حين ان الخيار الثالث، بحسب الكثير من المؤشرات، يبدو الاكثر واقعية ومقبولية من قبل مساحة واسعة من الطيف السياسي، لاسيما الكتل والقوى السياسية الكبيرة والمؤثرة، لانه يكفل المحافظة على الاطار العام لاوضاع البلد، ويمنع الانزلاق الى منعطفات خطيرة، وانفاق مظلمة، ومسارات مجهولة.
وهنا، فإن العمل بهذا الخيار، يمكن ان ينطلق من المحافظات التي تحوم حولها الكثير من شبهات التلاعب والتزوير، الا وهي الانبار وكركوك، ومحافظات اقليم كردستان الثلاث (اربيل ودهوك والسليمانية)، وينطلق كذلك من العمل على اعادة عد وفرز 5% من صناديق الاقتراع، وفي حال تبين ان فيها خروقات كبيرة، وتفاوتًا فاضحًا في نتائجها مع نتائج العد والفرز الالكتروني، فيمكن الذهاب الى رفع نسبة اعادة العد والفرز الى 10% او حتى اكثر من ذلك.
وكذلك فإن حجم الاضرار التي ألحقتها النيران المجهولة بصناديق الاقتراع بمخازن مفوضية الانتخابات في الرصافة، يمكن ان تكون عاملا رئيسيا-وليس ثانويا-في تحديد المسارات والخيارات. 
وفي الوقت عينه، فإن هذا الخيار تعتريه هو الاخر معوقات وعراقيل واشكاليات فنية وقانونية، لعل ابرزها، كيفية التعاطي مع قانون البرلمان الاخير، في حال لم تعترض عليه المحكمة الاتحادية العليا، ومدى توافق الاطراف السياسية المختلفة عليه، فضلا عن اهمية الامم المتحدة من خلال بعثتها (يونامي) في العراق، في لعب دور المراقب والمساعد لمفوضية الانتخابات (مجلس القضاة) بمعالجة الأخطاء والسلبيات بأقل قدر من الخسائر والتبعات.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3846.15
يورو 1428.57
الجنيه المصري 74.68
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 2040.82
دينار كويتي 4761.9
ليرة لبنانية 0.96
ريال عماني 3846.15
ريال قطري 401.61
ريال سعودي 389.11
ليرة سورية 0.58
دولار امريكي 1470.59
ريال يمني 5.83
التعليقات
عبدالرحمن الجزائري : السلام عليكم ردي على الاخ كريم العلي انت تفضلت وقلت ان الحكومات التي قامت بإسم الإسلام كانت ...
الموضوع :
هذه بضاعتي يا سيد أبو رغيف
ابو هدى الساعدي : السلام عليكم ...سالت سماحة المرجع الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله ..بشكل عام .....لماذا ينحرف رجل ...
الموضوع :
فاضل المالكي .. يكشف عورته
سليم : سلام علیکم وفقکم الله لمراضیه کل محاظرات الشيخ جلال لانها على تويتر تصلنا على شكل مربع خالي ...
الموضوع :
الشيخ جلال الدين الصغير يتحدث عن الصحابة وما أُثير في وسائل الإعلام في شأن الحاج باسم الكربلائي
رأي : مشكلتنا في هذا العصر والتي امتدت جذورها من بعد وفاة الرسول ص هي اتساع رقعة القداسة للغير ...
الموضوع :
الشيخ جلال الدين الصغير يتحدث عن الصحابة وما أُثير في وسائل الإعلام في شأن الحاج باسم الكربلائي
1حمد ناجي عبد اللطيف : ان أسوء ما مر به العراق هي فترة البعث المجرم وافتتح صفحاته الدموية والمقابر الجماعية عند مجيئهم ...
الموضوع :
اطلالة على كتاب (كنت بعثياً)
Ali : بعد احتجاز ابني في مركز شرطة الجعيفر في الكرخ .بسبب مشاجرة طلب مدير المركز رشوة لغلق القضية.وحينما ...
الموضوع :
وزارة الداخلية تخصص خط ساخن وعناوين بريد الكترونية للابلاغ عن مخالفات منتسبي وضباط الشرطة
يوسف الغانم : اقدم شكوى على شركة كورك حيث ارسلت لي الشركة رسالة بأنه تم تحويل خطي إلى خط بزنز ...
الموضوع :
هيئة الاتصالات تخصص رقماً للمشتركين للشكوى على شركات الهواتف
ابو حسنين : الى جهنم وبئس المصير وهذا المجرم هو من اباح دماء المسلمين في العراق وسوريه وليبيا وتونس واليمن ...
الموضوع :
الاعلان عن وفاة يوسف القرضاوي
يونس سالم : إن الخطوات العملية التي أسس لها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلمو في بناءالدولة وتأسيس الدواوين ...
الموضوع :
الاخطاء الشائعة
ابو سجاد : موضوع راقي ومفيد خالي من الحشو..ومفيد تحية للكاتب ...
الموضوع :
كيف بدات فكرة اقامة المقتل الحسيني ؟!
فيسبوك