التقارير

نفق العراق الانتخابي المظلم


عادل الجبوري

منذ البداية، وقبل أشهر من موعد اجراء الانتخابات البرلمانية العراقية (12 ايار-مايو 2018)، كانت المؤشرات السلبية والسيئة، والاجواء القلقة والمرتبكة، تتوالى وتلقي بظلالها على عموم المشهد العام في العراق، وكانت مختلف القوى والفاعليات والشخصيات السياسية تدرك وتفهم وتتفهم ذلك، لأنها جزء من الواقع السياسي، بإيجابياته وسلبياته، بمدخلاته ومخرجاته.

وفي أجواء الانتخابات، وما رافقها من سجال حول نسب المشاركة، وسلامة عمل أجهزة العد والفرز الالكترونية، وعمليات التلاعب والتزوير، وصفقات بيع وشراء الاصوات، والتهديدات والضغوطات، ومدى كفاءة وخبرة ونزاهة مفوضية الانتخابات، ناهيك عن حملات التسقيط الاعلامي الممنهج والمنظم، في مثل تلك الاجواء، بدا واضحا ان الامور لا تتحرك بمسارات صحيحة، وان المقدمات الخاطئة لا يمكن أن تنتهي الى نتائج صائبة.
لذلك لم يكن غريباً ومفاجئاً ما حصل بعد الانتخابات من قبيل عدم ظهور النتائج خلال وقت قصير، كما كان مفترضا، باعتبار أن أجهزة العد والفرز الالكتروني تختلف كثيراً عن عمليات العد والفرز اليدوي، من حيث سرعة ظهور النتائج. ومن قبيل تدني نسبة المشاركة، بأقل مما أعلنته مفوضية الانتخابات، حيث أن الأخيرة كانت قد أشارت الى أن النسبة بلغت 44.2%، بينما ذهبت أوساط سياسية عديدة الى ان النسبة الحقيقية للمشاركة لم تتعد 30%، وهذه الارقام المتواضعة، لا ترتبط بعزوف الناس فقط، وانما ترتبط بإشكالات فنية وتقنية حالت دون تمكن أعداد لا يستهان بها من المواطنين من التصويت رغم ذهابهم الى المراكز الانتخابية
وفيما بعد راحت التشكيكات بمصداقية الانتخابات تتنامى، ودائرة الانتقادات لاعضاء المفوضية تتسع، لتصل الى تبادل الاتهامات بالفساد والتلاعب والتزوير فيما بينهم.

هذا وغيره، جعل الاصوات تتعالى والدعوات تتزايد، لمعالجة وتلافي الأخطاء والتجاوزات، من خلال إلغاء أصوات الخارج والنازحين والتصويت الخاص والمشروط، أو اعادة العد والفرز يدوياً لنسبة معينة من صناديق الاقتراع، أو حتى اللجوء الى العد والفرز اليدوي لكل الأصوات.

ورغم الكثير من الشد والجذب، فإن المؤسستين التنفيذية (الحكومة) والتشريعية (البرلمان)، تبنتا مثل تلك التوجهات، اذ إن الأولى صوتت في الخامس من شهر حزيران - يونيو الجاري، على توصيات اللجنة المشكلة من هيئة النزاهة والرقابة المالية وجهاز المخابرات والامن الوطني للنظر في الشبهات المثارة حول الانتخابات، ومن بين تلك التوصيات، اجراء العدّ والفرز اليدوي بما لا يقل عن 5% في جميع المراكز، وإلغاء نتائج انتخابات الخارج والنازحين لثبوت خروقات تزوير جسيمة ومتعمدة وتواطؤ، وسحب يد مجلس المفوضين في مفوضية الانتخابات واحالتهم للتحقيق، ومنع سفر من هم بدرجة معاون مدير عام فما فوق في المفوضية الى خارج العراق، الا بعد الحصول على الموافقات الاصولية.
أما المؤسسة التشريعية (البرلمان)، فقد صوتت في جلسة استثنائية في السادس من حزيران - يونيو، أي بعد يوم واحد من قرارات مجلس الوزراء، بالمصادقة على قرارات الاخير، من خلال التصويت على التعديل الثالث لقانون انتخابات مجلس النواب المرقم 45 لعام 2013، والقاضي بإعادة عمليات العد والفرز يدويا لكل صناديق الاقتراع، وتجميد عمل مجلس مفوضية الانتخابات واستبدالهم بقضاة يعينهم مجلس القضاء الاعلى.
وبالفعل وجدت تلك القرارات والقوانين والتوصيات طريقها الى التنفيذ السريع والمباشر، الذي بدوره أثار المزيد من الجدل والاعتراضات القانونية.
ولعل مجمل الجدل والسجال تمحور حول أمرين، الاول، هوية الجهات المتورطة بالتلاعب والتزوير، سواء كانت خارجية او داخلية، والامر الثاني، الخيارات والاحتمالات التي يمكن ان تؤول اليها الامور.
ورغم أن أياً من الامرين لا يقل أهمية وخطورة عن الآخر، الا أن البحث في شقه الأكبر يتركز على الامر الثاني، على اعتبار ان الامر الاول بتفاعلاته المختلفة، يدور ويتحرك بداخل أروقة وكواليس الأجهزة الأمنية والرقابية والقضائية المعنية، التي تحرص على ابقائه بعيدا عن المؤثرات السياسية، والتجاذبات الاعلامية. 
والتساؤل الأكثر الحاحاً هنا هو ماذا بعد توصيات وقرارات السلطتين التنفيذية والتشريعية، واجراءات السلطة القضائية؟
حتى الان تبدو الصورة غامضة ومشوشة، ولكن يفترض ان هناك ثلاثة خيارات هي:
-الغاء الانتخابات، واعادة اجرائها مع انتخابات مجالس المحافظات المقررة في الثاني والعشرين من شهر كانون الاول-ديسمبر المقبل، او اي موعد اخر تقرره الجهات المعنية.
-الغاء نتائج العد والفرز الالكتروني، واعتماد الية العد والفرز اليدوي لكل صناديق الاقتراع، مع استبعاد كل ما هو موضع شك وشبهة.
-اعادة عمليات العد والفرز يدويا لنسبة 5% او 10% من العدد الكلي لصناديق الاقتراع.
وفيما يتعلق بالخيار الاول، فإن فرص تحققه تبدو ضئيلة جداً، لأنه حتى الذين لديهم اعتراضات وشكوك، لا يرون بواقعية وصحة الذهاب بذلك الخيار، لما يمكن أن تترتب عليه من تبعات وآثار سلبية وخطيرة، وهو في النهاية لا يخدم الفائزين ولا الخاسرين، علما انه من الصعب جدا ضمان ان تكون نسبة المشاركة بالمستوى المطلوب والمرتجى، في ظل أجواء التشكيك والاحباط والتسقيط.
أما بالنسبة للخيار الثاني، فإنه يمكن أن يدخل البلد في متاهات كبيرة، فضلاً عن كونه يحتاج الى وقت طويل، وأموال طائلة، في الوقت الذي لا يمكن فيه استبعاد امكانية حدوث عمليات تلاعب وتزوير بمقدار معين، مهما كانت الاجراءات الاحترازية شديدة وصارمة. ناهيك عن أن الاعادة الكاملة، لن تفضي الى نتائج وارقام مختلفة بنسبة كبيرة عن النتائج والارقام الحالية، اي انها لن تأتي بواقع جديد يختلف تمام الاختلاف عن الواقع الحالي.
في حين ان الخيار الثالث، بحسب الكثير من المؤشرات، يبدو الاكثر واقعية ومقبولية من قبل مساحة واسعة من الطيف السياسي، لاسيما الكتل والقوى السياسية الكبيرة والمؤثرة، لانه يكفل المحافظة على الاطار العام لاوضاع البلد، ويمنع الانزلاق الى منعطفات خطيرة، وانفاق مظلمة، ومسارات مجهولة.
وهنا، فإن العمل بهذا الخيار، يمكن ان ينطلق من المحافظات التي تحوم حولها الكثير من شبهات التلاعب والتزوير، الا وهي الانبار وكركوك، ومحافظات اقليم كردستان الثلاث (اربيل ودهوك والسليمانية)، وينطلق كذلك من العمل على اعادة عد وفرز 5% من صناديق الاقتراع، وفي حال تبين ان فيها خروقات كبيرة، وتفاوتًا فاضحًا في نتائجها مع نتائج العد والفرز الالكتروني، فيمكن الذهاب الى رفع نسبة اعادة العد والفرز الى 10% او حتى اكثر من ذلك.
وكذلك فإن حجم الاضرار التي ألحقتها النيران المجهولة بصناديق الاقتراع بمخازن مفوضية الانتخابات في الرصافة، يمكن ان تكون عاملا رئيسيا-وليس ثانويا-في تحديد المسارات والخيارات. 
وفي الوقت عينه، فإن هذا الخيار تعتريه هو الاخر معوقات وعراقيل واشكاليات فنية وقانونية، لعل ابرزها، كيفية التعاطي مع قانون البرلمان الاخير، في حال لم تعترض عليه المحكمة الاتحادية العليا، ومدى توافق الاطراف السياسية المختلفة عليه، فضلا عن اهمية الامم المتحدة من خلال بعثتها (يونامي) في العراق، في لعب دور المراقب والمساعد لمفوضية الانتخابات (مجلس القضاة) بمعالجة الأخطاء والسلبيات بأقل قدر من الخسائر والتبعات.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3125
يورو 1388.89
الجنيه المصري 66.31
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 1666.67
دينار كويتي 3846.15
ليرة لبنانية 0.79
ريال عماني 3125
ريال قطري 325.73
ريال سعودي 315.46
ليرة سورية 2.3
دولار امريكي 1190.48
ريال يمني 4.74
التعليقات
علي الانباري : اللهم صلي على محمد وال محمد اللهم انصر الاسلام المحمدي الأصيل شيعة أهل البيت عليهم السلام واللعن ...
الموضوع :
عدد الشيعة في العالم يرتفع إلى أكثر من 400 مليون نسمة أي مايعادل ربع عدد المسلمين في العالم
البصرة : اليوم في شخص اصدر يبان عند قراءته يضحك الثكلى يطالب بخصخصة الكهرباء ولا كأن العشرات من التظاهرات ...
الموضوع :
التظاهرات الجارية مالها وماعليها
مقداد : مع شديد احترامي لك. لا تفعلوا كما فعل حكام البلاد التي حل بها البلاء والحرب. لو ترك ...
الموضوع :
نقل الاعتصامات إلى البصرة لعبة داعشية بعثية
أحمد : بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم هذه التعليق على البعثية والداعشية لاتسمن ولاتغني ولاتحل مشاكل العكس تزيدها ...
الموضوع :
نقل الاعتصامات إلى البصرة لعبة داعشية بعثية
ابو حسنين : من المعلوم كثير من شيوخ عشائر البصره تستلم مبالغ من حكومات اقليميه خليجيه والان وجب عليها العمل ...
الموضوع :
أحداث البصرة.....وأبواق الفتنة
حسن : اخ العزيز خلي اثبتلك انو فكرة حور العين باطلة وان الشي الحرام اذا كان موجود بزمانة الي ...
الموضوع :
كيف تكاثر اولاد آدم علية السلام ..وكيف تزوجوا ومن هُنَ زوجاتهم ؟؟ الجزء 1
محمد سلمان هادي : اسمي محمد سلمان ابن الشهيد سلمان هادي سالم رقم القرار 1598/8 في مؤسسة شهداء الديوانية . حاصل ...
الموضوع :
تدشين الموقع الالكتروني الرسمي لرئيس الوزراء المكلف حيدر العبادي
مصطفى : خطية بس المالكي يتحمل المسؤولية أنتم ما منعتم تسليح الجيش قبلها ما دمرتوا البلد ما منعتم اي ...
الموضوع :
مسؤول المكتب السياسي للصدر: لا تحالف مع المالكي وهو يتحمل ما جرى بالموصل
عبود خريبط : يكفي فخر لانه من جنود الأمام المنتظر المهدي عجل الله فرجه من العدد 313 وإنشاء الله احنا ...
الموضوع :
كلمة وفاء ... الى القائد قاسم سليماني 
مدين غازي : سلام عليكم ورحمة الله وبركاته معلومات عن دواعش في المنافذ الهيئة العامة للكمارك اسماء الذين وظفهم داعش ...
الموضوع :
مصدر : تعيين شقيق والي داعش الارهابي في البعاج كـعضو بمجلس نينوى
فيسبوك