مع اقتراب العالم من عام 2026، 2027 تبدو المنطقة وكأنها تتجه نحو منعطف تاريخي غير مسبوق.
فالمؤشرات التي كانت تُقرأ سابقًا كتحذيرات أو توقعات باتت اليوم تتحول إلى حقائق ماثلة أمام المجتمع الدولي، هذه المؤشرات، مجتمعة، تشكّل لوحة متكاملة توحي بأن دولة الاحتلال الإسرائيلي تدخل مرحلة الأفول، أو على الأقل مرحلة التراجع البنيوي الذي يسبق الانهيار.
1. تآكل الشرعية الدولية وتنامي الدعوات لطرد دولة الاحتلال من المؤسسات الأممية
لم يعد الحديث عن محاسبة إسرائيل مجرد خطاب أخلاقي، في أروقة الأمم المتحدة ومؤسسات القانون الدولي، تتصاعد الأصوات المطالِبة بإقصاء إسرائيل من المنظومة الدولية، باعتبارها دولة تنتهك قواعد القانون الإنساني بصورة منهجية، هذا التحول يعبّر عن انتقال العالم من مرحلة “التغاضي” إلى مرحلة “المساءلة”.
2. الهجرة العكسية وتفكك المجتمع الاستيطاني
خلال العامين الأخيرين، أخذت الهجرة العكسية اليهودية تتصاعد بصورة لافتة، وهو مؤشر بالغ الدلالة، فالمجتمع الذي قامت عليه الفكرة الصهيونية—مجتمع المهاجرين الباحثين عن “الأمن”—يعود اليوم إلى الدول التي جاء منها، هذا الانسحاب يعكس فقدانًا جوهريًا للثقة بقدرة إسرائيل على حماية نفسها أو مواطنيها.
3. هروب رؤوس الأموال وتراجع الثقة الاقتصادية
الاقتصاد الإسرائيلي، الذي كان يُسوّق كـ “معجزة تكنولوجية”، يدخل اليوم مرحلة اضطراب بنيوي، خروج الاستثمارات، انخفاض العملة، تراجع الشركات الناشئة، وهجرة المستثمرين كلها تشكّل بيئة تؤشّر إلى مستقبل غامض. الاقتصاد —كما يقول علماء الجيوبوليتيك— غالبًا ما يكون أول مَن يلتقط إشارات السقوط.
4. تغول المستوطنين وصعود الميليشيات اليهودية
انفلات المستوطنين لم يعد ظاهرة محصورة في الضفة الغربية؛ بل بات مشروعًا موازياً للدولة، يهدد استقرارها من الداخل، الاعتداءات اليومية وتوسع الميليشيات الدينية المتطرفة، تؤكد أن إسرائيل تتحول إلى كيان غير قابل للضبط، وأن الصراع بات داخليًا بقدر ما هو خارجي.
5. صعود اليمين المشيحاني المتطرف.
الخطاب الميشيحاني (الخلاصي) لم يعد هامشياً، اليوم هو في قلب القرار، من الكنيست إلى الحكومة، هذا التحول الأيديولوجي يضع إسرائيل في مواجهة مع العالم ومع نفسها؛ دولة تُدار بنزعات أسطورية لا بمنطق سياسي، وهذا غالبًا ما يشكّل مقدمة لانهيارات داخلية كبرى.
6. تدهور العلاقات مع الحلفاء التقليديين
النفور الغربي—وخاصة الأميركي—لم يعد مجرد ملاحظة سياسية، بل تحول إلى عبء استراتيجي على إسرائيل، فالدفاع عنها بات مكلفًا على مستوى الصورة والقيم، خصوصًا بعد الاتهامات الدولية الرسمية بجرائم حرب وإبادة جماعية، أما أوروبا، المثقلة بحرب أوكرانيا، فلم تعد قادرة على تقديم الغطاء السياسي والمالي كما كانت تفعل سابقًا.
7. انكماش الصهيونية العالمية
المنظومة التي شكلت الرافعة الأساسية لقيام إسرائيل وتثبيت وجودها تواجه اليوم ارتدادًا عالميًا، الاتحادات اليهودية والمنظمات الصهيونية تشهد تراجعًا في الدعم والتمويل والتأثير، بعد أن أصبح الدفاع عن إسرائيل مرادفًا للتغطية على الجرائم.
8. سقوط النفوذ الإقليمي للحلفاء العرب
الدول العربية المطبّعة تفقد جزءًا كبيرًا من حضورها وشرعيتها الشعبية، ولم تعد قادرة على تسويق فكرة “السلام مع إسرائيل” كمكسب استراتيجي، هذا التراجع يعمّق عزلة إسرائيل ويضعها في مواجهة محيطها بلا حلفاء موثوقين.
9. صعود القوى الإسلامية الإقليمية وتحالفات جديدة
تركيا، بقوتها العسكرية والسياسية، تعود لاعبًا رئيسيًا في المنطقة، بينما يزداد التنسيق بينها وبين إيران وحلفائها، في مشهد يعيد رسم ميزان القوى الإقليمي، هذا التحالف يضع إسرائيل أمام واقع استراتيجي غير مسبوق منذ تأسيسها.
10. التدهور الأميركي وتراجع الدولار
الأزمة الاقتصادية الأميركية في هذا التوقيت تنعكس مباشرة على قدرة واشنطن على الإنفاق العسكري والدعم غير المشروط لإسرائيل، تراجع الدولار والتحديات الداخلية يجعل الولايات المتحدة أقل قدرة —ورغبة— في خوض معارك الآخرين.
11. الاستنزاف الأوروبي في حرب أوكرانيا
الحرب طحنت موارد الاتحاد الأوروبي، ودفعت به إلى إعادة ترتيب أولويات الأمن والاقتصاد، هذا الانكفاء جعل إسرائيل في ذيل الاهتمام الأوروبي، بعد أن كانت محورًا في استراتيجيات الشرق الأوسط.
12. نشوء البنى الأمنية الفلسطينية الشعبية
ظهور خلايا ومجموعات ميدانية في الضفة الغربية لحماية الفلسطينيين من المستوطنين يشير إلى تشكّل قوة أمنية بديلة عن السلطة ومنفصلة عن الاحتلال، هذه المجموعات تغيّر معادلة السيطرة على الأرض وتربك المشروع الاستيطاني.
خلاصة استشرافية
إن اجتماع هذه المؤشرات —من داخل إسرائيل وخارجها— يشير إلى أن الكيان فقد عناصر القوة التي قام عليها*:
الهجرة، التفوق العسكري، الدعم الغربي، الاستقرار الاقتصادي، والانسجام الداخلي.
وإذا كان القرن الماضي قد شهد صعود المشروع الصهيوني، فإن العقد الحالي —وفق معطياته— قد يكون بداية نهايته.
https://telegram.me/buratha

