( بقلم : باسم العوادي )
قبل ان نبتعد كثيرا عن الذكرى وعن الحدث العظيم الذي شغل العراق من اقصاه الى أدناه على طوال عشرة ايأم متتالية فالعراقيون في الداخل بين زاحف الى كربلاء ومن شتى المدن العراقية وأما متسمر امام شاشة فضائية الفرات في داخل العراق وخارجه لكي يتابع احداث الزحف الحسيني المقدس بأرقى صور تلفزيون الواقع حيث الجموع البشرية التي تتحدى الموت والإرهاب والقتل فتخرج من بيوتها عن بكرة أبيها لتجدد العهد والولاء ليس عند ملك او رئيس او زعيم سياسي او شيخ عشيرة او زعيم مذهب ولكنها زحفت نحو رمز الثورة والتحرر والعدل والاحسان والسلام والرحمة والاخلاق والنبل والعلم والجهاد والتضحية والايثار إنه الحسين بن علي عليها السلام في ذكراه الأربعينية السنوية في ظل الظروف العصيبة التي يعيشها العراق وتحت وطأة الحملة الطائفية الشرسة الظالمة التي تستهدف شيعة أهل البيت عليهم السلام في عموم منطقة المشرق العربي من اقصاه الى ادناه.9 أو 7 او 6 او 5 ملايين هي الارقام التي تحدثت عنها وسائل الاعلام العراقية سار بعضها لاكثر من 500 كليو متر مشيا على الاقدام ولمدة أيام وليالي طويلة ، طبعا لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تشهد مثل هذه المسيرة لكنها المرة الأولى التي تحولت فيها المسيرة الى زحف بشري وكأن الناس تحشر الى بارئها يوم القيامة اطفال نساء رجال شباب شيوخ من كل الفئات والاعمار وفق نسق واحد وهمة وإرادة وتصميم واحد الهدف الحسين وكربلاء والرسالة العراق وطنا وشعبا رسالة تحمل عشرات المظامين الإنسانية والسياسية فالمسيرة سلمية وغير مسلحة وهي دلالة الإسلام والسلام والأمان والرسالة حسينية اسلامية وهي دلالة عشق الحسين ومنهجة ومدرسته وأبناءه وهم نهج الإسلام الأصيل وهي كذلك رسالة تحدي فمن يمشي على قدمه مئات الأميال يريد ان يقول انه مستعد لان يقدم ما هو اكثر من ذلك وعلى الآخر ان يفكر بعمق وبهدوء وبعقلائية في قدرة الزائر على التحمل و الاستعداد للتضحية .
ناهيك عن عشرات المعاني الاخرى فيما لو شئنا ان نعصر مضامينها السياسية ولعل واحده من اهمها هو ان مؤتمر بغداد الدولي قد تزامن مع هذا الزحف الحسيني المقدس وفي نفس يوم الذكرى الأربعينية لكي يشاهد ويسمع من لم يشاهد او يسمع ان إرادة الجماهير الحسينية العراقية بعد هذ السنوات العجاف الأربع التي اعقبت سقوط سلطة المقبور صدام لازالت لم تنثني ومن يحاول او يعتقد في الداخل او الخارج بانه قادر على ثنى إرادة هذه الجماهير بالتفجير او القتل او الاعلام فهو واهم وعليه ان يعيد حساباته من جديد . ومع هذا الانجاز العظيم كانت هناك عوامل اساسية ساعدت على ان يكون هذا الزحف الحسيني بهذه الصورة وبهذه الكيفية وبهذه الطريقة المرتبة التي لم يشهد لها العالم من مثيل حيث مظاهرات صغيرة تدوم لساعات ينتج عنها اعمال شغب ومواجهات وسرقات بالعشرات اما ان يسير الملايين وعلى مدى اسبوعين وفي الفلوات والصحارى والطرقات وسكك الحديد ونصفهم من النساء ويجدون على طول الطريق من يطعمهم ويسكنهم ويوفر لهم الدواء والحماية والأمن فهذا ما لم يشاهده العالم في تأريخية على الاطلاق وبدون اي حوادث اجرامية البته فهذه من المعجزات ويعلم الله لو ان هؤلاء السائرون لو كانوا من غير الشيعة ولو كانوا سائرين لغير الحسين لاقامت وسائل الاعلام العالمي الدنيا ولم تقعدها بهذه المشاهد التي لا يمكن ان تكون إلا في مثل ظروف عاشوراء الحسين او أربعينه واذا كان هناك من مشابه لها لسمعنا به. ولعل الدور الاعلامي لفضائية الفرات الغراء وما قام به كادرها على مدى الأيام العشرة الاخيرة كان واحدا من اهم العوامل التي ساعدت على ان يكون الزحف الحسيني المليوني هذا العام بشكله وطريقته الغير معهودة فقد كانت الفرات في السنوات الماضية قد وفرت اهتماما خاصا بالمناسبة الأربعينية ومع تطور كوادر الفرات التي اطفأت شمعتها الثانية قبل مدة اصبحت عملية تطويع الأعلام الفضائي مزية اساسية في تحشيد همم الجماهير الزاحفة نحو كربلاء . فمن يوم الثلاثين من محرم والى يوم الأربعين عاش العراقيون من على شاشة الفرات ساعات طويلة وهم يشاهدون تلفزيون الواقع يتحدث اليهم بدون اي رتوش او مونتاج او اضافات فالكاميرات على طول الطرق والشوارع المهمة وعلى مدى نصف النهار كانت تنقل حركة الزائرين بكل تفاعلاتها وايقاعاتها واحاسيسها ومشاعرها وهي تسير مشيا على الاقدام ، اللقاءات كونت مشهدا تراجيديا واقعيا لا مثيل له وبدون تلاعب، الناس كل الناس تتحدث صغارـ كبارـ نساءـ رجال ـ متحدثون ـ متمنطقون ـ بسطاء ـ شعراء ـ اساتذة ـ اطباء ـ علماء ـ طبقات مختلفة لايمكن ان يجمعها جامع ولا يمكن ان يربطها رابط غير طريق الحسين وكربلاءلذلك فقد كانت الجموع الزاحفة أو التي تريد الزحف بحاجة الى ثلاث قضايا اساسية :الأولى : الأمن والتحديبالنسبة للفرع الأول فقد ركزت الفرات كثيرا على المسألة الأمنية وكانت تتابع الواقع الأمني في كل الطرق المهمة المؤدية الى كربلاء من خلال مراسليها او من خلال برامجها الحية وتلتقي بالمسؤولين والسيطرات و تظهر رجال الشرطة والجيش والمسؤولين وهم يتحدثون عن واقع الأمن في الطرق وبالخصوص المهم منها والذي يتوقع ان تكون فيه عمليات إرهابية وعن عموم الخطط الأمنية التي وضعت لتسيهل وانجاح برنامج الزيارة وبالفعل فقد شجعت هذه القضية الكثير الكثير من الناس بعد الاطمئنان الذي وفرته المادة الاعلامية الفراتية على المباشرة بالمسير الى كربلاء وهذا المسار مربوط بمسار التحدي فعدم توفر الأمن بصورة كبيرة لايعني ان يتقاعس هناك الناس عن اثبات موقفهم الحسيني ذو الدلالات السياسية الهامة لذلك ركزت الفرات كثيرا من خلال الاحاديث الحية للناس وتحديهم للإرهاب وكانت الكلمات الانسيابية التي تنطلق من شفاة النساء والشيوخ وحتى الاطفال وهم يؤكدون على اصرارهم بالمسير مهما كانت النتائج والتحديات دافعا نفسيا ومعنويا كبيرا للكثير غيرهم وبهذا تكون الفرات قد استطاعت وعلى مدى ايام فقط في ان تشحذ همم الملايين وتدفعهم بما يمتلكون هم من نوايا حسينية نحو الحسين وكربلاء واستطاعت ان تخلق جوا أمنيا وتراجيديا حماسية فاللقطات التي بثتها الفرات ومباشرة للجماهير الحسينية وهي تتحدث اطلاقات الغدر والإرهاب في السيدية و كلمات جرحى عملية الحلة ومنهم الاطفال وعبارت الزوار واهازيح البطولة التي رددوها كان لها الوقع الكبير في النفوس حيث اللهبت مشاعر التحدث والاندفاع بل الاستعداد للتضحية. والثانية: التشجيع على المسيروالمسار الثاني كان قضية التشجيع على المسير وعدم التخوف او التردد وهذا مبني على المسار الأول وهو مسار الأمن والتحدي ومسار التشجيع كان من خلال القصائد والاهازيج والهوسات والابتسامات التي كانت الناس تستقبل بها كاميرات الفرات في الطرقات فقد خلقت تلك القصائد الشعبية والهوسات الحماسية اجواءا تشجيعية عظيمة في نفوس الكثيرين حتى من الذين هم في الخارج ممن تفاعلوا مع الحدث و تمنوا لو كانوا في العراق لكي يشاركوا في تلك الملحمة الحسينية العظمى اضافة الى ذلك كانت عملية التركيز على محطات الاستراحة ونوعية الاطعمة والاشربة والادوية نقطة ارتكازية مهمة اخرى في مسار التشجيع على الزيارة فقد خصصت الفرات ساعات طويلة لمسؤولي المواكب والمخيمات على الطرقات و هم يقدمون وبسخاء وبنفس كريمة كل ما يملكون من اجل انجاح رسالة الأربعينية ذات الدلالات السياسية في هذا العام ، وبالتالي فما قدمته فضائية الفرات وعلى مدى عشرة ايام متتالية ورغم صغر عمر الفرات هو قفزة في عالم الأعلام وطفرة نوعية يوجب التوجه لها والاستفادة منها ومن الدروس المهمة التي صاحبت هذه الفترة لكي يمكن تسخيرها في ظروف شبية مستقبلا من اجل خدمة القضية العراقية وبنفس الطريقة السلمية . ثالثا : القدرة على ايصال الرسالة لقد استطاعت الفرات ان تحشذ همم الملايين على طريق الحسين وكربلاء واستطاعت ان تلملم اطراف مسيرتهم برسالة عراقية واضحة الدلالة والمضامين واستطاعت ان تنقل مشاعر الناس وحزنهم واحاسيسهم بكل صدق وامانة واستطاعت في نفس الاطار من جعل القضية الحسينية قضية عراقية فكل من تحدث كان يؤكد على انه ذاهب للحسين من اجل العراق وأمنه ومستقبله واستقراره واستطاعت كذلك في ان تقولب همم الملايين في اطار المسيرة وان تجعل اصواتهم المختلفة صوتا واحدا والأهم من ذلك كله هو انها استطاعت ان تكتب رسالتهم التي أرادوا التأكيد عليها وان توصلها للعالم الخارجي بكل صدق وأمانة ، وعلى المعني بالرسالة ان يفهمها .ولعل واحدة من اهم القضايا التي شدت انتباهي وجعلتني اتابع شاشة الفرات على مدى ساعات طويلة ولأول مرة هو البروز الواضح للمرأة العراقية وبمختلف الأعمار في هذ الملحمة فمناظر المسيرة توحي بتواجد المرأة وبكثافة وهذا دلالة على انها كانت محترمه وان المرأة هي شريكة الرجل في الرسالة الدينية والوطنية وهي دلالة ايضا على قدرة المرأة العراقية في التحمل والمسير والاستعداد للتضحية بصورة متوازية ومتقاربة مع صور الرجل واشد ما لفت انتباهي كذلك هو عدد المتحدثات من السائرات في الزحف الحسيني وعلى مختلف طبقات الثقافة والوعي فقد تحدث العشرات منهن لمراسلي الفرات وبصورة تبعث الأمل في النفوس رغم بساطة الكلمات وتعلثم البعض في التعبير إلا ان المراد قد فهم و ان رسالة المرأة العراقية وقابليتها على العطاء واستعدادها للتضحية كانت هي القضية البارزة في ملحمة الأربعينية الحسينية لهذا العام ولعل الفرات من حيث تدري او من حيث لا تدري قد استطاعت ان تنقل هذه الرسالة وان توصلها للعالم.
فتحية للفرات على كل ما قامت به، تحيه ليس لارتباطي بها فأنا لست مجبرا على مدحها او ذمها ولم يسألني احد او يطلب مني ان امدح او أذم لكن ما قامت به الفرات رغم حداثة سنها يؤكد وبما لايقبل الشك على انها تستطيع ان تفعل الكثير لأهلها وقاعدتها وجماهيرها العريضة فتحية والف تحية لجهد الفرات وكادرها الذين كانوا احد اهم عوامل انجاح ذلك الزحف الحسيني العظيم . باسم العوادي
https://telegram.me/buratha
