بقلم رالف بيترز - « نيويورك بوست - ترجمة: وكالة الملف برس »
تخيَّل ردود الفعل، إذا ما ذبحَ وكلاء غربيون مائة حاج سنـّي في طريقهم إلى مكة. سيثور غضب «خطابات حارقة»، وستنشب الفوضى وأعمال الشغب وتـُرتكبُ جرائم قتل انتقامية من بيشاور إلى باريس!.لكنْ عندما يقتل منفذو عمليات انتحارية سنة 118 زائراً شيعياُ (ويجرحون أكثر من 200 منهم) كما حدث يوم الثلاثاء على الطريق إلى كربلاء، فإن السنة يبدون مغيّبين من العالم؛ ولا يُعتبر الشيعة مسلمين إلا عندما يريد السنة لوم أميركا على معاناتهم.العديد من هؤلاء الشيعة، ضحايا التسلط الديني كانوا يمشون على أقدامهم إلى كربلاء لمواساة حفيد النبي محمد -الذي قتل بأيدي مؤسسي الإسلام السني- الذين استحقت عندهم السلطة ذبح عائلة نبيهم.إنّ الكراهية تتعمـّق.إنّ الحملة العربية السنية ضد الشيعة، لا تكافح من أجل مكاسب وامتيازات سياسية، بل تعكس الرغبة في الاندفاع نحو ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية للشيعة، وهذا يجعل من فكرة «الوحدة الإسلامية» نكتة سخيفة متجهمة.إنّ تفجيرات الثلاثاء الوحشية، تـُوبعت بهجمات أقل وزناً ضد زائري كربلاء في الأيام التالية. وكان القصد منها أنْ تكون شنيعة قدر الإمكان. إنهم لا يبرزون مشاعر حقد المتطرفين السنة ضد جميع الشيعة بهذا العمل فقط، بل يحرضون ميليشيا مقتدى الصدر -كهدف عاجل- للإنتقام من المسلمين السنة. إنّ المتمرّدين السنة وحلفاءهم الإرهابيين الأجانب قلقون، فالجهود الحالية للقوات الأميركية والقوات العراقية لتهدئة بغداد وبسط الأمن فيها، تـُظهر علامات مبكرة للنجاح. وهم حذرون من الاصطدام ثانية بهذه القوات، وبجيش المهدي الذي هدأ تماماً، بينما يتكبد المتطرفون السنة خسائر جسيمة.إن السنة يريدون أن يعود الشيعة إلى القتال.لماذا؟ لإنهم يريدون عرقلة خطة أمن بغداد وإفسادها. ولإنهم يريدون تعميق الكراهية وإيقاظ النائم منها في المجتمعات الدينية العراقية. وأيضاً لإنهم متلهفون إلى صدام إقليمي يمكن أنْ «يرجع الشيعة إلى ما كانوا عليه» قبل سقوط نظام صدام.ولهذا ذبحوا -باسم الله- مائة من زائري العتبات المقدسة رجالاً ونساءً وأطفالاً.أين كانت «الضجة»؟!. إنّ جماعات حقوق الانسان كانت مشغولة جداً بالتصفيق للطلبات الأوربية لتسليم مشاركي وكالة المخابرات المركزية الأميركية «العدو الحقيقي للحضارة الغربية، بالطبع» ولإن هذه المجزرة لم يرتكبها الأميركان والبريطانيون، فإنّ الأوربيين لم يعيروها أدنى اهتمام.أما اليساريون الأميركان الذين اهتاجوا لمجازر أبي غريب التي شبهوها بالمجازر النازية، لم يظهروا أية علامة للرحمة بهؤلاء المسلمين الشيعة الضحايا.كان الأمر متوقـّعاً من جميع هؤلاء!.لكنْ ألا يجب على المسلمين أن يشجبوا هذه الهجمات على حجاج حفيد رسولهم؟ ألا تستحق هذه المجزرة أنْ تثير غضب العرب الذين يتجاوز وجودهم القومي هذا التقسيم الطائفي في الاسلام؟ فقبل كل شيء، هؤلاء الذين قتلوا هم عربٌ وليسوا فرساً.فأين هي بيانات الشجب من قبل وزراء الحكومة والملالي؟ وأين هي وسائل الإعلام العربية النبيلة؟ وأين التظاهرات الغاضبة؟.ليست فقط «الوحدة الاسلامية» كذبٌ وعار، بل هي أيضاً تلك الروائح العفنة التي تعطّ بها قبور ورمم «نفاق» منطقة الشرق الأوسط.السنة يعدّون الشيعة لا قيمة لهم.ليس هناك حكومة واحدة تريد أن ترى الشيعة يتلقون معاملة عادلة في العراق أو في أي مكان من العالم. ففي المدى القريب، سيكون السؤال فيما إذا كان الشيعة سيبلعون الطعم لينتقموا من المدنيين العرب السنة في العراق أم لا. إنّ حكومة بغداد تعمل ما بجهدها لتهدئة غضب المجتمع الشيعي. نحن فقط سننتظر لنرى ما الذي سيحدث.لكنّ الخطر الأعظم والطويل المدى هو: إنّ تسليح الإدارة الأميركية للسعودية وللحكومات التي تبطن الكراهية للأميركان، كان من البداية خطأ إستراتيجياً ضخماً. إنّ القضايا الأخلاقية سيئة بما فيه الكفاية: بالنسبة للعائلة المالكة السعودية، فإن الشيعة حين يقتلون بهذه الطريقة لا تعكس الحالة أية تراجيديا. إنهم أشبه بالوثنيين. إنّ المرء ليتوقـّع تقريباً أنّ ينظم أولئك الأمراء المنتفخين المتعصبين رحلات صيد على الطريق يذبحون فيها الأجناس المعرضة للخطر عندما يذهبون لقضاء أيام العطل في دول أفريقية شديدة الفقر «ما أشبه هذا بذاك». إنّ الكارثة الإستراتيجية التي أسفرت عن العودة إلى أخطائنا الجسيمة في القرن العشرين، ستكلفنا كثيراً. عندما اخترنا حلفاء لنا في الشرق الأوسط، كنا على الطريق الخاطي للتاريخ ولمدة نصف قرن. والآن يشنُّ السعوديون حملة دعائية لاقناع صناع الرأي الأميركي، بإنهم الأصدقاء أو الحلفاء الأحسن والأصدق في كل هذا العالم العريض.إن «رجل دولة كبير ورفيع الشأن» وأنا أحترمه استـُغفل خلال حضور مأدبة في العربية السعودية. ولقد ترك الرياض مقتنعاً أنّه كان يجلس إلى حلفاء لا يستغنى عنهم. حسناً لأروي لكم ما رأيته أنا بأم عينيّ: في العشرات من البلدان الأسلامية ومختلطة الأديان التي زرتها، رأيتُ أنّ الأموال السعودية تصرف بإسراف لتمزيق المجتمعات المرهقة أصلاً، لمنع التقدم العلمي والاجتماعي لمسلمي تلك الدول ولتأجيج الأحقاد ضد الغرب.حتى 11 سبتمبر، أفلت السعوديون من العقاب على فحش التطرّف في هذا البلد، وثمة مساجد كثيرة هنا في أميركا مموّلة سعودياً، ما فتئت تبحث عن كل السبل لمنع المسلمين من الاندماج في المجتمع الأميركي.إن السعوديين وليس الإيرانيين هم أسوأ تجار الحقد الذين يحرّضون على كراهية الانسان الأميركي في عالم اليوم. عندما يزور عدد من وجهائنا وأصحاب المقام الرفيع في حكوماتنا الأمير «بندر» ورفاقه، يحصلون على معاملة ملكية رفيعة المستوى. لكن السعوديين يعملون في كل الأحياء الفقيرة البائسة في القاهرة، لاهور، دلهي، استنبول، ليحرّضوا الناس على كراهية الأميركان. وبعد الهجمات الانتحارية على زائري الحسين هل ذهب أحد من أمراء العائلة المالكة لزيارة الشيعة المضطهدين في السعودية نفسها للتعبير عن التعاطف مع المسلمين الشيعة والتضامن مع عوائلهم؟!.إنّ علاقتنا مع السعوديين تذكرني بمشهد من فيلم «الإشراق» عندما يتخيل الشخصية التي يمثل دورها «جاك نيكلسون» أنه يحتضن امرأة جميلة، لكنّه ما أنْ يفتح عينيه حتى يجد نفسه معانقاً جثة متحللة. حان الوقت لأحباء واشنطن السعوديين كي يفتحوا عيونهم.بالمناسبة: إنّ الرجلين اللذين نفذا الهجوم الانتحاري على قافلة زائري الحسين في الطريق إلى كربلاء كانوا سعودييناشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
https://telegram.me/buratha
