( بقلم : عدنان آل ردام العبيدي / رئيس تحرير صحيفة الاستقامة / رئيس اتحاد الصحفيين العراقيين )
تحدثنا في افتتاحيتنا ليوم امس عن ادبار الاعلام العربي للمشهد الحسيني الذي بدأ يعطي انماطاً جديدة لمعادلة انتصار الدم على كل ادوات الذبح والقتل، ليس فقط في عرصات كربلاء،انما في كل ارض وفي كل بقعة ولنقل ان اخرها ذاك الذي حصل قبل يومين في الطريق بين بلد وبغداد وفي الطارمية وفي حي الجامعة وفي شوارع وازقة الجادرية مروراً بمناطق جنوبي بغداد،وكأن تلك البقاع بحاجة الى دم حسيني لتطهيرها من البراثن السفيانية،او ان امتدادات اللقطاء تريد ان تقتص مرة اخرى من مدرسة النبوة التي اطاحت بأصنامهم واوثانهم إن كانوا على شاكلة هبل واللات او على شاكلة هبلهم المخلوع بحبل اطاح به اولاً في ساحة الفردوس واخر رمى به في دهاليز الشعبة الخامسة.
في هذه اللحظة ونحن نعيش استحقاق المصالحة مع من نرى فيهم انهم اخوة واشقاء وشركاء، انما نريد ان نتحدث عن معطى آخر من معطيات المدرسة الحسينية في ظل مناخات واسباب تتشابه الى حد بعيد بين الامس واليوم،فالمتتبع لمفاصل هذه المدرسة سيستحضر حالاً معطى الحوار واهميته لدى وريث النبوة من خلال اعتماد الامام الحسين(ع) وهو في ذاك الظرف الميداني العصيب -للحوار- كوسيلة مهمة من وسائل الحركة التصحيحية.
فالامام الحسين ومنذ ان وطأت اقدامه كربلاء وحتى قبيل استشهاده اراد من خلال حواراته المكثفة مع الجانب الاخر،تحرير ارادة الانسان من التبعية للطغاة ومن التمسك بالحياة الخاضعة لقوانين الاذلال بعيداً عن قوانين الحق والحرية والكرامة،مثلما انه (عليه السلام) اراد من تلك الحوارات القاء الحجة على الغافلين والمستغفلين او الذين التبست عندهم الرؤى وسقطت امام بصائرهم وابصارهم الحقائق الناصعة بالوقت الذي كانوا هم الاقرب اليها.
لذلك لم تقتصر حوارات الإمام الحسين على طبقة معينة من الناس بل حاور الجميع ودعاهم الى حقن الدماء، وبهذا الاتجاه فقد حاور طبقات الحكام والامراء الذين كانوا يتولون قيادة الاقاليم والولايات وقادة الجيوش الذين جاءوا لقتاله، وعندما اعتمد الإمام الحسين الحوار كمبدأ من مبادئ حركته فانه ما كان يطلب من ورائه ضماناً لسلامته وسلامة اهله واطفاله واصحابه بل كان ذلك الحوار يرتبط بالمعطى الاول للمدرسة المحمدية التي تحرك الإمام الحسين لاسترجاعها من دائرة اللقطاء واجهزة التزوير والتحريف الاموي.
المعطى الاخر الذي افرزته كربلاء هو ان الإمام السبط (ع) وان كان قاصداً تفجير ثورة التصحيح الا انه رفض رفضاً قاطعاً ان يبادئ الطرف الاخر بالقتال رغم علمه الاكيد بان القوم لن يرتضوا باقل من قتله وسبي عياله، وقد بقي (عليه السلام) رغم كل التعدي الذي طاله وآل بيته يمنع اصحابه من مبادأة المعسكر السفياني بالقتال حتى بادؤه هم، وهذا الموقف لم يحدثنا التاريخ عن شبيه له سوى المواقف المحمدية والعلوية التي ترويها لنا حقائق التاريخ في بدر وأحد والخندق والجمل.
ان البطولة والمظلومية هي واحدة من ملامح النهضة الحسينية وهذه معادلة صعب موازنتها، لكن الاصعب منها والذي حققته المدرسة الحسينية الى جانب تلك المعادلة هو منهج الحوار والدفاع عن النفس وعدم البدء بقتال وهما بكل الاحوال معادلة ومنهج علينا الاستفادة منهما ونحن نخوض اليوم ملحمة تشبه في بعض جوانبها وكثير من ملامحها وظروفها ملامح وظروف كربلاء.
https://telegram.me/buratha
