الصفحة الإسلامية

المراحل الستة التي يمر بها الإنسان قبل الموت من منظور القرآن الكريم  


د.مسعود ناجي إدريس ||

 

أن الله سبحانه و تعالى لديه بعض السنن التي لاتتغیر و لا تتحول ، وهي دائمًا ثابتة ولن تتغير أبدًا تحت أي ظرف من الظروف.هذه السنن تسمى ايضاً " بالنوامیس الکونیة ". لذلك قال الله سبحانه و تعالى في القرآن الكريم :

﴿ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ﴾ (سورة فاطر - الآية ٤٣).

واحدة من هذه السنن الإلهية هي قضية موت الإنسان بعد كل شيء ، بغض النظر عن عدد السنوات التي سوف نعيشها في هذه الدنيا، فإن وقت موتنا سيأتي أخيرًا وسنذهب للقاء الله.

اليوم ، على الرغم من الجهود الكبيرة التي يبذلها البشر في مجال الوصول الى العلاج للعديد من الأمراض والكفاح الدؤوب ضد انتشار جميع أنواع الأمراض المعدية والنهوض بالعلم والتكنولوجيا وتطوير أحدث التقنيات في العالم والنهوض بالعلوم الطبية ، لم يتمكنوا حتى الآن من ايقاف ظاهرة الموت أو التدخل فيها.

ولسوء الحظ ، لا يزال البشر يخشون التحدث عن الموت ويعتقدون أنهم إذا لم يتحدثوا عنه ، فلن يأتي أو سيتأخر في القدوم، مثل الذي يقول لا تتحدث عن الغد ، في حال ذا تحدث او لم يتحدث عن الغد سيأتي بكل الأحوال، الموت كذلك. قال النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) : "أكثروا ذكر هادم اللَّذات".

وفي اول أيام النهضة وبداية المبعث ، بعد نشر حقيقة التوحيد ووحدانية رب الكون ، كان أهم قضية تم التأكيد عليها في الإسلام هي قضية الموت والقيامة والعقاب. وقال في هذا الخصوص: "والذي نفسي بيده لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون".

لذلك إذا لم نتحدث عن الموت ، فلا يوجد سبب يمنع الموت من القدوم إلينا. سيأتي الموت بالتأكيد ، ولا أحد يعرف أين ومتى سيأتي ، ولكن الأمر المتروك لنا هو اختيار نوع الموت ( اما علی طاعة الله و اما علی معصیة الله ) . وكذلك قال النبي الأكرم "مَن عاش على شيء مات عليه".

الآن دعونا نتحدث عن الموت ونتعرف ونُعرف الآخرين عليه بشكل أفضل . خلافاً لمعتقدات كثير من الناس، فأن الموت ليس مرحلة واحدة انما يمر بعدة مراحل و على اساس الأدلة القرآنية و التدبر في آياته للموت ستة مراحل.

تسمى المرحلة الأولى من هذه المراحل الستة بيوم ألموت. وهذا هو اليوم الذي ستأتي فيه نهاية الإنسان ، وتنتهي حياته ، ويأمر الله الملائكة في السماء أن يذهبوا إلى الأرض ليأخذوا روحه ، حتى يهيئوا الإنسان للقاء ربه.

مع الأسف، لا أحد يعرف شيء عن هذا اليوم ، وحتى عندما يأتي ذلك اليوم ، لا يدرك الإنسان انه يوم وفاته. و على الرغم من عدم ادارك الإنسان لهذا الأمر لكنه يشعر بتغييرات في جسده. على سبيل المثال ، ينشرح صدر المؤمن في ذلك اليوم ويغمره السعادة المفرطة ، على العكس الإنسان الذي ارتكب الأعمال السيئة يشعر بضغط كبير في صدره وقلبه. في هذه المرحلة ، ترى الشياطين والعفاريت نزول الملائكة ، لكن الإنسان لا يستطيع رؤيتهم. هذه الخطوة موصوفة في القرآن الكريم على النحو التالي:

﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ..﴾ (سورة البقرة - الآیة ۲۸۱).

ثم يأتي دور المرحلة الثانية ، وهو اخذ الروح بالصورة التدريجية. تبدأ هذه المرحلة من باطن القدم حتى صعود الروح لترتفع فوق الساقين والركبتين والقدمين ، فوق البطن ، السرة ، والصدر ، لتصل الى منطقة في جسم الإنسان تسمى "التراقي". هنا يشعر الشخص بالتعب والدوار ، ويشعر بأنه تحت ضغط وغير قادر على الوقوف. قوته الجسدية تتناقص ولا يزال لا يعرف أن روحه تخرج من جسده.

حتى نصل الى المرحلة الثالثة. تسمى هذه المرحلة بالتراقي. تم ذكر هذه المرحلة في القرآن الكريم.

﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29)﴾ (سورة القیامة).

التراقي عبارة عن عظمان تحت الحلق تمتد إلى الكتفين. "وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ" ، ويقال أن من سيحمل روحه ويقبضها. وبعبارة أخرى ، من يريد أن يأخذ روحي، هل ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب المجمتمعين قربه، من راق یعني من الذي یرقیه. وترى اقاربه من يقول لنستدعي الطبيب و الثاني يقول لنتصل بالأسعاف ، والآخر يقول لنقرأ القرآن عليه. وسط هذه الاجواء لا يزال يأمل في العودة إلى الحياة ولا يزال لا يعتقد أن روحه تغادر جسده. (وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ) ‌ الى الآن لم يتيقن بالموت . لا يزال يكافح من أجل البقاء ، لكن يقول الله تعالى (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ)، لقد انتهى الأمر خرج الروح من الساقين و لم يعد يستطيع تحريكهما. خرج الروح من الجسد و وصل الى التراقي "كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ" ( سورة القیامة - الآیة ٢٦).

ثم تأتي المرحلة الرابعة التي تسمى مرحلة "الحلقوم". هذه هي المرحلة الأخيرة من الموت وهي صعبة للغاية بالنسبة للإنسان والسبب في ذلك أنه تتم إزالة الحجاب والستارة من امام عينيه ويرى الملائكة الحاضرين من حوله.

تبدأ مرحلة رؤية الآخرة من هنا.

﴿ فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ ( سورة - ق - الآیة ۲۲).

لهذا السبب سميت هذه المرحلة بالحلقوم . لماذا ؟ وذلك لقول الله تعالى:

{ فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُوم (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85)

} ( سورة الواقعة) ‌

يخاطب الله الأشخاص الموجودين حوله، أنتم في مكان ما وهو في مكان آخر. انتم ترون شيئا هو يرى شيئا آخر.

إنه يرى رحمة الله ، أو العياذ بالله يرى غضبه وعذابه ان كان مذنبا. لذا تروه يحدق في مكان معين ونقطة معينة ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ) .

انه من أصعب المراحل عند قبض روح الأنسان. لأنه يجد وعود الله حقيقية ويفهم الله بكل كيانه، يرى الملائكة ويجد كل أعماله في الحياة تمر أمام عينيه.عند هذه النقطة يحدث "فتنة الممات".

الفتنة التي يدخل فيها الشيطان ويخلق الشك في الإنسان تجاه معتقداته. الشك بالله ، بالنبي ، بالدين ، بالقرآن ، وما إلى ذلك ، ويحاول بكل قوته أن يجعل الأنسان يخرج من الدنيا وهو كافر. هنا الشيطان مقتنع بأنها اللحظات الأخيرة لهذا الإنسان ويرى ملك الموت يقترب منه ، لذلك يبذل جهوده الأخيرة لإحداث الضربة النهائية ضربته أقوى من أي وقت مضى. لذلك أخبرنا القرآن أن نلجأ إلى الله من فتنة الممات.

﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ(۹۷) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ(۹۸)﴾ (سورة المؤمنون).

لهذا السبب قال النبي الاكرم ( صل الله عليه واله وسلم): "مَن عاش على شيء مات عليه".

اذا عشت حياتك من اجل الاسلام و محبة الله سبحانه و تعالى و النبي (ص) واهل البيت ( عليهم السلام) فسوف تخرج من الدنيا على هذا الحال .

هنا ، عندما يأتي الوقت الأخير من الموت ، يظهر الشيطان للشخص المحتضر على هيئة أحد أقاربه ، الذي مات سابقاً ، وهو يصرخ بصوتٍ عال أنا مت قبلك و الأسلام ليس دين الحق و النبي لم يأتي بدين الحق و سوف يقول لك اكفر بكل شيء، دليل هذا المشهد في القرآن موجود في هذه الآية:

﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ( سورة الحشر - الآية ١٦).

هذا هو المكان الذي تأتي فيه المرحلة الخامسة. المرحلة التي يدخل فيها عزرائيل (عليه السلام) ، وفي هذه المرحلة يفهم الإنسان تمامًا ما إذا كان من أهل الرحمة أو من أهل العذاب. عند هذه المرحلة ، يرى نتيجة أعماله. ويطلع على مصيره. وقد وصف نبي الرحمة هذه المرحلة بالتفصيل. خاصة لأولئك الذين ارتكبوا العديد من الذنوب و المعاصي ولم يتوبوا والتقوا بالله بحمل من المعاصي والذنوب. يقول الله تعالى:﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ ( سورة النازعات - الآية ۱) .

هناك قول للنبي بأن مجموعة من الملائكة في الجحيم ، هيؤا كفناً من النار ويقبضون روح الأنسان العاصي بشكل مؤلم. نزع الروح بغلظه . فيما يتعلق بصعوبة هذه المرحلة جاء في القرآن الكريم:

﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾

( سورة محمد - الآیة ۲۷).

بعد هذه المرحلة نصل الى المرحلة النهائيه وهي المرحلة السادسة. في هذه المرحلة يدخل ملك الموت حيث اصبح روح الأنسان متهيأ ووصل الى اعلى نقطة ممكنة و عبر مرحلة التراقي و استقر روحه في فمه و انفه وهو مستعد للخروج والتسليم إلى عزرائيل (عليه السلام). اذا كان الإنسان عاصي يقول له: یا ایتها اللروح الخبیثة اخرجی الی نار و نیران و رب منتقم غضبان. هنا يصبح الوجه الباطني للإنسان أسود ويصرخ : ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ( سورة المؤمنون - الآیة ۹۹) . ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ﴾ ( سورة المؤمنون- الآية ١٠٠).

لأنني لم اعمل صالحا في حياتي. لكنه يواجه صوت حضرة الحق الذي يخاطبه: ﴿كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ( سورة المؤمنون- الآية ١٠٠). و هنا يقول تعالى :

﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ ( سورة ق - الآية ١٩).

ماذا تعني سكرة الموت؟ أي أنه تم قفل كل شيء. جميع أجهزة وأعضاء الجسم مغلقة ومقفلة، ولا توجد فرصة للحركة. ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ، هذه هي اللحظة التي هربت منها  طوال حياتك.

﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ ( سورة الجمعة - الآية ٨)

الكلمة الأخيرة

سئل الإمام صادق (عليه السلام) لماذا نخاف الموت ؟ فاجاب قائلا : لانکم عمرتم الدنیا و خربتم الآخرة .

آمل أن تُساعدنا قراءة هذه المذكرة في أن نكون أكثر استعدادًا للقاء الله...

ـــــــــــــــــ

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
التعليقات
Soufiane Rami
2022-05-17
مقال رائع جدا أسلوب بسيط وسلس الفهم تدرج الأفكار الله ينورك
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3846.15
يورو 1538.46
الجنيه المصري 77.82
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 2040.82
دينار كويتي 4761.9
ليرة لبنانية 0.97
ريال عماني 3846.15
ريال قطري 401.61
ريال سعودي 389.11
ليرة سورية 0.58
دولار امريكي 1470.59
ريال يمني 5.84
التعليقات
د. قيس مهدي حسن البياتي : أحسنتم ست باسمة فعلاً ماتفضلتم به.. وانا اقترح ان يخصص وقت للاطفال في مرحلة الابتدائية للعب والاطلاع ...
الموضوع :
فلذاتُ أكبادنا الى أين!؟
ابو حسنين : المعلوم والمعروف عن هذا الطبال من اخس ازلام وجلاوزة البعثيين الانجاس ومن الذين ركبوا بقطار الحمله الايمانيه ...
الموضوع :
بالفيديو .... فتاح الشيخ : جمهور الصدر اكثر طاعة من جمهور الامام علي (ع)
العراقي : اولا فتاح الشيخ معروف تاريخه ومعروفه اخلاقه وميوله ثانيا- تسمية جمهور الامام علي تسميه خاطئه وهي ذر ...
الموضوع :
بالفيديو .... فتاح الشيخ : جمهور الصدر اكثر طاعة من جمهور الامام علي (ع)
ابو تراب الشمري : عراق الجراح منذوا ولادته كان جريحا ومازال جرحه يدمينا عراق الشهادة وذكرى شهدائه تحيينا السلام على العراق ...
الموضوع :
أضـغاثَ أَفـعال ..!
حميد مجيد : الحمدلله الذي أنعم وأكرم هذه النفوس الطيبه والأنفس الصادحه لتغرد في سماء الولايه عنوانا للولاء والتضحية والفداء، ...
الموضوع :
بالفيديو ... نشيد سلام يا مهدي يا سيدي عجل انا على العهد
عباس حسن : سلام عليكم ورحمته الله وبركاته ........اناشد الجهات المسؤولة لمنع الفساد في سرقة المعلومات الى شركة (كار ) ...
الموضوع :
هيئة النزاهة تضع الخط الساخن للكشف عن حالات الفساد الاداري والمالي وشكاوى المواطنين
ali alsadoon : احسنت يا زينب. بارك الله فيك. استمري في الكتابة الوعظية فهي مفيدة جدا. شكرا لك . ...
الموضوع :
لحظة ادراك..!
عامر الكاتب : نبقى بحاجة ماسة لهكذا اعمال فنية تحاكي مستوى ثقافة الاطفال وتقوي اواصر المحبة والولاء للامام الغائب روحي ...
الموضوع :
على خطى سلام فرمانده، نشيد إسلامي تحيتي وحدة عن الامام المنتظر عجل الله فرجه برعاية وكلاء المرجعية الدينية في كربلاء المقدسة
زهره احمد العرادي : شكرا على هذا العمل الجبار الأكثر من رائع ونأمل بأعمال بنفس المستوى بل وأقوي ...
الموضوع :
لا تستنسخوا سلام فرمانده..!
ابو تراب الشمري : السلام على الحسين منارة الثائرين السلام على من قال كلا للكفر والكافرين السلام على من سار في ...
الموضوع :
ِعشـقٌ وَعاصِفَـةٌ وَنـار..!
فيسبوك