المقالات

قناعة المسؤول.. عامل من عوامل العطل

1932 2016-02-03


في خطبة الجمعة الماضية قال سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي "ان الحكومة مدعوة الى الاستعانة بفريق من الخبراء المحليين والدوليين لوضع خطة طوارىء لتجاوز الازمة الراهنة.."، ويقينا ان هذا توجيه صحيح.. فالبلاد لا تنقصها القدرات المادية التي لا تستثمر الاستثمار الصحيح.. والبلاد فيها من الموجودات والاصول والفرص ما يسمح لها بالانطلاق مجدداً، وعدم الاعتماد على موارد النفط فقط..

بل ان الموجودات النفطية هي بحد ذاتها سبيكة ذهبية سوداء من شأنها ان تطلق نشاطاً اقتصادياً هائلاً، شأنها في ذلك شأن سبائك الذهب الصفراء.. التي عندما امتلئت وتمتلىء بها خزانات الدول، فانها كانت وستكون سبباً لتوليد الثروات والعملات والسيولات والنشاطات والمداخيل. كما ان الخبرات الوطنية ليست قليلة لكنها مبعثرة وغير مستثمرة، والاهم من ذلك ان مشاريعها ومقترحاتها لا تجد الرحم (المؤسسة) الذي يمكن من خلاله اخصاب الفكرة لتعطي ثمارها المطلوبة.. علماً ان الخبرة والمعرفة لم تعد شأناً محلياً او وطنياً، بل صارت بالضرورة حقيقة عالمية.. تنتقل بسهولة ويسر بين الامم والبلدان. لذلك خيراً تفعل المرجعية باعطاء التوجيه العام، وعدم الدخول في التفاصيل. فهي تقول لاصحاب الشأن اتحدوا، وتبنوا السياسات الصحيحة وانا ادعمكم.. فلو اقتدى المسؤولون اسلوبها، ولم تحجز قناعاتهم الخاصة الطريق امام الافكار الصائبة، لرفعت الكثير من الحواجز امام فرص الخروج من الازمة واصلاح شؤون البلاد.

تجربتي المتواضعة في العمل السياسي والاداري طوال العقود الماضية جعلتني ادرك ان من اهم الحواجز امام الوصول الى التطبيقات والسياسات الصحيحة هي قناعة المسؤول. وبالطبع هذا حق له، لكن ما ليس حقاً له ان يحجز قناعات الاخرين حتى وان كانت ارقى من قناعاته.. فالمسؤول في حزبه، او دائرته، او وزارته، او في اي مركز قرار اخر هو السلطة، وهو القرار، والتي ترقى قناعاته وقراراته الى ما يشبه الاحكام الدينية. فما لم تتشكل له القناعة فالامور معطلة.. وعندما تتعطل الامور فيما يخص شؤون الحياة العامة، فهذا يعني ان الامور متراجعة. ففي مثل هذه الشؤون التي تتحرك فيها الاراء وتتسابق فيها حقائق الحياة فان عدم مواكبتها، وخدمة عوامل التقدم فيها سيعني بالضرورة التأخر والتخلف، وهو ما يحصل عندنا. وهذا هو الفرق بين القيادات المؤسساتية والقيادات الفردية.

بل ان المسؤول المؤسساتي الذي يأخذ باراء غيره او من هم ادنى منه منصباً، لكنهم اكثر منه خبرة وعلماً واختصاصاً سيعتبر مسؤولاً ضعيفاً بمقاييس الجهلاء. وقديما قال ابن المقفع: "ان الدين يسلم بالايمان، وان الرأي يثبت بالخصومة، فمن جعل الدين خصومة، فقد جعل الدين رأياً، ومن جعل الرأي ديناً فقد صار شارعاً، ومن كان يشرع لنفسه الدين فلا دين له"

العراق ليس اول بلد يمر بمثل هذه الظروف، بل تمر بها عادة بلدان عديدة، وتتخذ سلسلة اجراءات تسمح لها بالخروج من ازماتها.. لكن العراق ما زالت تحكمه الشخصنة من اعلاه الى ادناه.. واغلبنا لا يستمع سوى لصوته، فيفتي وينظّر، فيما لا شأن او علم له به، وهو ما يزرع كل عوامل الفوضى والاضطراب التي نشهدها. والشخصنة لا تمنع فقط من اتخاذ قرارات الخبرة، بل هي تربي ايضاً اهل الخبرة انفسهم لينظروا في عيون المسؤول، فيكيفوا ارائهم بما يرضيه ويعزز قناعاته. وهو العامل الاهم الذي يجعلنا ندور في دوائر مغلقة، ويجعل البلاد عاجزة عن التقدم واصلاح امورها والخروج من ازماتها.

عادل عبد المهدي

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
----خلف ناصر عبد الله : اتمنى لكم التوفيق والسداد بحوث روعه غيتها اعلاء اعلام دين الله سبحانه:؟ ...
الموضوع :
تفسير "هذا صراطُ عليٍّ مستقيم" (الحجر: 41)
منير حجازي : العلاقات التي تربط البرزانيين بالكيان الصهيونية علاقات قديمة يطمح الاكراد من خلالها أن يساعدهم اليهود على إنشاء ...
الموضوع :
النائب مصطفى سند يُحرك شكوى ضد ممثل حكومة كردستان في المانيا دلشاد بارزاني بعد مشاركته احتفال في سفارة الكيان الصهيوني
منير حجازي : الاخت الفاضلة حياكم الله نقلتي قول (أنطوان بارا) في كتابه الحسين في الفكر المسيحي وهو يعقد مقارنة ...
الموضوع :
الحسين في قلب المسيح
ولي : بعد سنوات اليوم يقبل ابناء عنيفص منفذ المقابر الجماعية بحق الانتفاضة الشعبانية ١٩٩١ في الكلية العسكرية بينما ...
الموضوع :
محكمة جنايات بابل تحكم باعدام الارهابي رائد عنيفص العلواني قاتل 26 مواطنا ودفنهم في حديقة داره ببابل
زياد مصطفى خالد : احسنت تحليل واقعي ...
الموضوع :
مسرحية ترامب مع زيلنسكي والهدف الامريكي !!
ابو حسنين : انظرو للصوره بتمعن للبطل الدكتور المجاهد والصادق جالس امام سيد الحكمه والمعرفه السيد علي السستاني بكل تواضع ...
الموضوع :
المرجع الديني الأعلى السيد السيستاني يستقبل الطبيب محمد طاهر أبو رغيف
قتيبة عبد الرسول عبد الدايم الطائي : السلام عليكم اود ان اشكركم اولا على هذا المقال واستذكاركم لشخصيات فذة دفعت حياتها ثمنا لمبادئها التي ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
م خالد الطائي : السلام عليكم, شكرا لصاحب المقال, عمي مالك عبد الدايم الطائي: خريج 1970م، تخرج من كلية العلوم بغداد ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
ام زهراء : مأجورين باىك الله فيكم ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
علاء عبد الرزاق الانصاري : الاهم صلي على محمد وال محمد الطيبين الطاهرين ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
فيسبوك