المقالات

مُستشارون فَضائِيّون

1728 2015-01-17

أما الخبراء الحقيقيون والعلماء المتخصّصون فلا تلتفت لهم الدولة العراقية ابداً، وذلك بسبب الحزبيّة الضيّقة والمحاصصة المقيتة والاعتداد الكاذب بالنفس وبقدراتها الوهميّة. ولقد فعل خيراً عندما تطرق اليوم ممثل المرجعية الدينية العليا خطيب العتبة الحسينية المقدسة سماحة السيد احمد الصافي لموضوع الخبرات والطاقات العراقية العلمية عندما لفت انتباه الدولة لها داعياً الى الاستفادة منها في حل المشاكل العويصة التي يعاني منها العراق وعلى مختلف الاصعدة.

ان الدّول المتحضّرة تلجأ الى خبرات ابنائها كلما داهمتها مشكلة او حاولت ان تنتقل الى مرحلة جديدة من مراحل التطوّر والتجديد والتحديث، اما البلدان المتخلّفة فهي التي تظل تلف وتدور حول المشكلة من دون ان تصغي الى رأي خبير او مقترح عالم او فكرة باحث.
وأتذكّر جيداً كيف ان الرئيس اوباما صرف وقتاً طويلاً يعقد الجلسات والاجتماعات في البيت الأبيض مع الخبراء الاقتصاديين من اساتذة الجامعات وكبار مدراء الشركات الاقتصادية العملاقة، ليقدموا له افكارهم ومقترحاتهم لعبور الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم وبالولايات المتحدة إبان فترة دخوله البيت الأبيض قبل حوالي () سنوات، حتى حصل على افضل الاستشارات من احدهم ليبني استراتيجيته الاقتصادية الجديدة عليها.
وهذا هو الفرق الأساسي بين الدول المتحضّرة والأخرى المتخلّفة، فبينما تعتمد الاولى على التنمية البشرية وما تنتجه خبراتها، لا تعير الثانية ايّ اهتمام لذلك، والتقدم والتطور والانتقال من مرحلة الى اخرى لا يعتمد الا على الطاقة البشرية اولاً وقبل اي مصدر آخر فهي التي توظف الخيرات وتفجر النعم الإلهية الكامنة في البلاد لتحوّلها الى أدوات ووسائل في عملية النهوض. ولست اعرف بلداً فيه جيشٌ من (المستشارين) مثل العراق، انهم (مستشارون فضائيون) بكل المعايير، والا فلو كانوا مستشارين حقيقيين للمسنا نتاجهم، ولما ظلّ العراق يتراجع القهقرى يوما بعد اخر.

لقد ورِث العراق الجديد نكتة سيئة من النظام البائد ولكن بالمقلوب، فبينما كان الطاغية الذليل صدام حسين يعيّن المطرودين من المغضوب عليهم دون مستوى التصفية، مستشارين في رئاسة الجمهورية، فان السّاسة الجدد يعمدون الى تعيين أبواقهم ومحازبيهم من الفاشلين والكثير من الفضائيين مستشارين في مؤسسات الدولة لقاء (خدماتهم الجليلة) لشخصهم المنحوس!.

والادهى والامرّ من ذلك ان الكثير منهم يتنقل من موقع لآخر وكأنه ظل المسؤول لا يفارقه اين ما حل وارتحل، وكلما تغير عنوانه الوظيفي!.
ان على الحكومة العراقية وشخص السيد رئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي ان يطلق حملة مركزة وواسعة لتصفية المستشارين الفضائيين وتقليل عدد حتى الحقيقيين منهم، وفي كل مرافق ومؤسسات الدولة، خاصة في المواقع الهامشية والثانوية، مثل منصب نواب رئيس الجمهورية، فحسب الدستور فانهم لا يهشون ولا يبشون، ولا اصفهم بأكثر من هذا، فما بالك بمستشاريهم؟!.

انّهم عبء على ميزانية الدولة وان رواتبهم ومخصّصاتهم وامتيازاتهم سرقات مقنّنة ينبغي التخلص منها وتطهير الدولة منهم، خاصة وان الكثير منهم اثبت فشله وجهله وعدم قدرته على تقديم اي شيء مفيد ونافع لخدمة البلد وعلى مدى سنوات طوال، فما فائدة وجودهم بمثل هذه العناوين؟!.
ان على مؤسسات الدولة ان تلجأ الى الخبراء والعلماء والكفاءات الحقيقيّة للاستفادة منها في حل مشاكل البلد من جانب والبحث عن فرص التنمية والتطور والانتقال الى المراحل الجديدة من جانب اخر.

الى متى تظلّ خبرات وطاقات وعلماء العراق مركونون على الرف بسبب الحزبية الضيقة والمحاصصة المقيتة، والبلد يمرّ بمثل هذه الظروف الخطيرة والعصيبة؟ الى متى تظل هذه الخبرات مجمّدة غير قادرة على المشاركة في انتشال البلاد من ورطتها وفي حل مشاكلها، فيما ينهك المستشارون الفضائيون والحقوقيون الفاشلون ميزانيّة البلاد بلا فائدة؟.

يجب ان لا يكون المعيار في اختيار المستشار الولاء للمسؤول او للحزب او ما أشبه، وإنما للوطن اولا واخيراً، فالمستشار ليس موقعاً تنفيذياً ليندرج في اطارات المحاصصة المقيتة، انما هو خبرة وعلم ومعرفة لا دخل لها لا بالولاء الشخصي ولا بالولاء الحزبي ولا بالمحاصصة.

وبهذا الصدد اقترح على منظمات المجتمع المدني وعلى المؤسسات العلمية ان تعرّف الرأي العام بمثل هذه النماذج من العلماء والخبراء من خلال التعريف بنتاجهم المعرفي كلٌّ حسب اختصاصه، ليمارس الاخير ضغطاً مستمراً على مؤسسات الدولة من اجل الاستفادة منهم وتوظيف خبراتهم في بناء البلد، فاذا كان المسؤولون متورطون بالامراض التي تمنعهم من الاستفادة من خبرات العراق، فما بال الرأي العام الذي وقف يتفرّج على هذه الخبرات من دون ان يحرّك ساكناً لتوظيفها في خدمة البلاد؟

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
----خلف ناصر عبد الله : اتمنى لكم التوفيق والسداد بحوث روعه غيتها اعلاء اعلام دين الله سبحانه:؟ ...
الموضوع :
تفسير "هذا صراطُ عليٍّ مستقيم" (الحجر: 41)
منير حجازي : العلاقات التي تربط البرزانيين بالكيان الصهيونية علاقات قديمة يطمح الاكراد من خلالها أن يساعدهم اليهود على إنشاء ...
الموضوع :
النائب مصطفى سند يُحرك شكوى ضد ممثل حكومة كردستان في المانيا دلشاد بارزاني بعد مشاركته احتفال في سفارة الكيان الصهيوني
منير حجازي : الاخت الفاضلة حياكم الله نقلتي قول (أنطوان بارا) في كتابه الحسين في الفكر المسيحي وهو يعقد مقارنة ...
الموضوع :
الحسين في قلب المسيح
ولي : بعد سنوات اليوم يقبل ابناء عنيفص منفذ المقابر الجماعية بحق الانتفاضة الشعبانية ١٩٩١ في الكلية العسكرية بينما ...
الموضوع :
محكمة جنايات بابل تحكم باعدام الارهابي رائد عنيفص العلواني قاتل 26 مواطنا ودفنهم في حديقة داره ببابل
زياد مصطفى خالد : احسنت تحليل واقعي ...
الموضوع :
مسرحية ترامب مع زيلنسكي والهدف الامريكي !!
ابو حسنين : انظرو للصوره بتمعن للبطل الدكتور المجاهد والصادق جالس امام سيد الحكمه والمعرفه السيد علي السستاني بكل تواضع ...
الموضوع :
المرجع الديني الأعلى السيد السيستاني يستقبل الطبيب محمد طاهر أبو رغيف
قتيبة عبد الرسول عبد الدايم الطائي : السلام عليكم اود ان اشكركم اولا على هذا المقال واستذكاركم لشخصيات فذة دفعت حياتها ثمنا لمبادئها التي ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
م خالد الطائي : السلام عليكم, شكرا لصاحب المقال, عمي مالك عبد الدايم الطائي: خريج 1970م، تخرج من كلية العلوم بغداد ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
ام زهراء : مأجورين باىك الله فيكم ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
علاء عبد الرزاق الانصاري : الاهم صلي على محمد وال محمد الطيبين الطاهرين ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
فيسبوك