الأخبار

نص كلمة رئيس الوزراء السيد نوري كامل المالكي التي ألقاها في المؤتمر الدولي لدعم العراق


بسم الله الرحمن الرحيم

 

أصحاب السعادة أيها الحضور الكريم

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نرحب بكم في مؤتمركم الذي ينعقد ببغداد، لتعود بغداد من جديد تحتضن الأشقاء والأصدقاء، وهي تتطلع لاستعادة دورها الحضاري الرائد كعاصمة للثقافة والحكم والتراث لمئات السنين. بغداد المستنصرية، وبغداد التي ترجمت تراث العالم كله منذ أكثر من ألف عام. وبغداد أئمة الفقه الإسلامي، ولا غرابة فهي عاصمة العراق بكل ثقله التأريخي، وتراثه الذي يمتد لآلاف السنين.  فالعراق كان دوماً صاحب الريادة ففيه كانت المدارس العقلية في الإسلام، ومدرستا النحو في الكوفة والبصرة، والشعر لم يجد موطناً كالعراق من المتنبي إلى الجواهري، كما الشعر الحديث من السياب إلى نازك الملائكة.

إن العراق بثقله التاريخي وشعبه المعطاء، وموارده الهائلة، وموقعه الإستراتيجي يأبى إلا أن يكون قائداً، وفاعلاً إقليمياً، ولاعباً على مستوى العطاء، والتفاعل الإيجابي مع دول الجوار والعالم بعد أن طوى صفحة الدكتاتورية التي ساقت العراق والمنطقة إلى سلسلة من الحروب والكوارث.

أيها المؤتمرون الكرام

 

   لقد شق الشعب العراقي طريقه عبر إعتماده على دستور دائم لم يعرفه العراق لأكثر من نصف قرن، وهو أول دستور عراقي صوت عليه أكثر من عشرة ملايين عراقي ومع ذلك فلا نعتبره نهاية المطاف. لقد قررنا أن نعيد النظر فيه وفقاً للآليات الدستورية المثبتة. وعلى أساس من هذا الدستور انتخب الشعب العراقي ممثليه في مجلس النواب، وانبثقت على أساسه حكومة الوحدة الوطنية التي تمثل كل الشعب العراقي.

وفي اليوم الأول لنيل الحكومة ثقة مجلس النواب أعلنت برنامجها المتضمن لمشروع المصالحة الوطنية التي اعتبرناها منذ اليوم الأول خياراً استراتيجياً لتوسيع قاعدة التمثيل ومازلنا ماضين في برنامج المصالحة الذي خطونا به خطوات معلنة وأخرى غير معلنة، وكان المعلن منها مؤتمرات للعشائر، وآخر للقوى السياسية، و لمنظمات المجتمع المدني، و لضباط الجيش العراقي. وشكلنا لجنة عليا للمصالحة تتابع نتائج المؤتمرات وما يتمخض منها من توصيات. كما انبثقت أكثر من لجنة لتجسيد مبادرة المصالحة، آليات عمل، وبرامج حكومية، ومشاريع قوانين. والحكومة العراقية أطلقت حملة إعمار شاملة تليق بالعراق والعراقيين، ولذلك فقد رصدت لهذا العام أكبر ميزانية سنوية في تاريخ العراق، ستوجه للخدمات والإعمار والإستثمار، كما أنها حصلت على مصادقة مجلس النواب على قانون الإستثمار الذي يوفر إطاراً قانونياً سليماً للإستثمار الوطني والأجنبي، بما يشتمل عليه من توفير فرص هائلة في مجالات الإستثمار الصناعي والزراعي والبناء، وفتح السوق العراقية الكبيرة أمام المستثمرين. وقدمت الحكومة إلى مجلس النواب مشروع قانون النفط الذي يعتبر إنجازاً وطنياً كبيراً على المستويين السياسي والإقتصادي وضمانة لوحدة العراق، حيث أصبحت هذه الثروة ملكاً لكل  أبناء الشعب العراقي، وجميع مواردها تعود إلى الخزانة المركزية لتوزع بشكل عادل على جميع المواطنين. وسيساهم هذا القانون في خلق جو أكثر تقارباً وتلاحماً بين أطياف المجتمع العراقي، وسيعطي دفعة للعملية السياسية التي تنطلق للأمام، فضلاً عن التأثير الإقتصادي والإستثماري الكبير.

 

أيتها السيدات أيها السادة

 

   إن الذي عرقل مسيرة البناء السياسي والإقتصادي في العراق، وهدد السلم الأهلي هو الإرهاب الذي حاول زرع الفتنة الطائفية بين أبناء الشعب العراقي وأودى بحياة الآلاف منهم عبر السيارات المفخخة، والإنتحاريين القتلة الذين يستهدفون الجميع، فهم يقتلون الأطفال في الأنبار كما في بغداد الجديدة، وهم يفجرون المساجد في الرمادي كما يفجرون زوار الإمام الحسين عليه السلام وهم في طريقهم الى كربلاء. وفي محاولات الإرهابين لنشر الظلام تراهم يستهدفون الجامعات والعلماء فكانت حصة الجامعة المستنصرية كبيرة من الشهداء يتناسب وألقها التاريخي، وكان شارع المتنبي، شارع الكتب والثقافة والشعر منذ العهد العباسي هدفاً لهؤلاء الظلاميين.

إن خطة أمن بغداد التي أطلقنا عليها إسم خطة فرض القانون انطلقت من وعينا لأهمية فرض الأمن وحماية أبناء العاصمة من جميع الإرهابيين والخارجين على القانون والميليشيات المتنوعة، وقلنا وما نزال نؤكد أن هذه الخطة لن تميز بين خارج على القانون وآخر، ولا بين منطقة من مناطق بغداد وأخرى، ولا بين مجموعة مسلحة وأخرى، فلا مكان في بغداد لأي خارج على القانون، ولا سلاح إلا بأيدي القوى الأمنية.

ومع أن خطة فرض القانون ما تزال في مراحلها الأولى، فإنها حققت نتائج إيجابية على مستوى عودة النشاط إلى الأسواق، وفتح المستشفيات، وانخفاض مستويات العنف الطائفي، وعودة أكثر من ألفي عائلة من المهجرين إلى مساكنها، وقد وجدت الخطة تفاعلاً شعبياً كبيراً في مختلف مناطق بغداد وضواحيها.  على أن خطة فرض القانون في بغداد ليست نهاية المطاف، وإنما المنطلق الذي سنواصل بعده ملاحقة جميع القتلة والإرهابيين في كل شبر من أرض العراق الطيبة. وقد تزامن مع هذه الخطة تشكيل لجان مساندة يرأسها كبار مسؤولي الدولة لتوفير الخدمات والدعم الإقتصادي والحشد الجماهيري والتأييد السياسي.

 

أيتها السيدات أيها السادة

 

   الإرهاب الذي يقتل المواطنين العراقيين في بغداد والحلة والموصل والأنبار هو ذاته الإرهاب الذي يروع المواطنين في المملكة العربية السعودية، وهو الذي استهدف شعب مصر، وهو الذي فجر الفنادق في الأردن، وهو الذي فجر برجي التجارة في نيويورك في 11 سبتمبر كما استهدف قطارات الأنفاق في مدريد ولندن. إن هذا الوباء العالمي الذي يدفع ثمنه الآن الشعب العراقي، والذي أصبح العراق فيه ساحة المواجهة الأولى، يحتاج إلى وقفة دولية بشكل عام، ووقفة من قبل الأشقاء والجيران بشكل خاص لدعمه في هذه المعركة التي لا يقتصر خطرها على العراق، وإنما سيمتد إلى جميع دول المنطقة. ومن هنا يكتسب تفعيل مقررات مؤتمرات الدول المجاورة للعراق بشأن الإرهاب، وقرار مجلس الأمن المرقم 1618 أولوية قصوى.  ومواجهة الإرهاب أيها الإخوة تقتضي وقف أي شكل من أشكال الإسناد المالي، والإعلامي والغطاء الديني فضلاً عن وقف الدعم اللوجستي وتزويده بالسلاح والرجال الذين يتحولون إلى مفخخات تقتل أطفالنا ونساءنا وشيوخنا، وتفجر المساجد والكنائس. وعلى هذا فنحن نتطلع إلى مؤتمركم هذا أن يكون إنعطافة كبيرة في الوقوف مع حكومة الوحدة الوطنية في مواجهة هذا الخطر.

 

 

أيتها السيدات أيها السادة

 

   إن قوة العراق تنبع من تنوعه، تنوعه المذهبي والديني والقومي والثقافي. والعراق لا يمكن أن يكون عراقاً دون هذه المكونات التي تعطيه خصوصيته ووضعه المتميز. كما أن موقع العراق وثرواته يعطيانه تميزاً إضافياً يقل نظيره في العالم. إن العراق وهو يمر في مرحلة إنتقالية  من حكم إستبدادي فردي إلى حكم ديمقراطي تعددي فيدرالي لا يقبل أن تتحول أراضيه، ومدنه وشوارعه إلى ساحة لتصفية نزاعات إقليمية-إقليمية، أو إقليمية-دولية. كما لا يسمح العراق بأي شكل من الأشكال أن يكون ساحة لنفوذ أية دولة، أو أن يكون ساحة لتقاسم نفوذ إقليمي أو دولي. إننا نطالب السادة المجتمعين، ومن ورائهم المجتمع الدولي أن يعي خصوصية العراق التاريخية والإجتماعية، وأن لا تتحرك بعض الدول أو الأطراف الإقليمية أو الدولية في أن تكون لها حصة، أو موقع تأثير في الواقع العراقي من خلال التحرك على طائفة أو قومية أو حزب. وليفهم الجميع أن العراق بلد موحّد بمذاهبه وأديانه وأعراقه ومناطقه. وبذلك فنحن نطالب الأشقاء و الأصدقاء بموقف موحد من كل الشعب العراقي دون أية تجزئة أو تمييز على أساس طائفي، أو قومي أو مناطقي. إن العراق لا يقبل أن يتدخل في شؤون الآخرين، أو أن تكون أرضه قاعدة لشن هجوم ضد أحد، كما أننا في نفس الوقت ننتظر من الآخرين نفس الموقف.

إننا ندعو إلى تغليب لغة الحوار في تسوية الخلافات سلمياً بما في ذلك الخلافات الدولية-الإقليمية، والخلافات الدولية-الدولية والخلافات الإقليمية-الإقليمية. والعراق الذي يرفض بحزم أن يكون ساحة لتصفية هذه الخلافات فإنه يعلن استعداده للعب أي دور إيجابي في تسوية هذه الخلافات وإيجاد حلول سلمية لها.

 

أيتها السيدات أيها السادة

 

   إن هوية العراق العربية الإسلامية، ووحدته  أمر يتكاتف عليه جميع العراقيين. ولا يوجد عراقي يؤمن بعراقيته يقبل بالتفريط بحبة تراب واحدة من أرض العراق. إن وحدة التراب العراقي أمر لا يقبل المساومة لا من قبل حكومة الوحدة الوطنية ولا من قبل الشعب العراقي كله.

 

أيها الحضور الكريم

 

   إن اجتماعنا معكم اليوم، واجتماعكم مع بعضكم البعض في بغداد يمثل دعماً للعراق، ولحكومة الوحدة الوطنية في مساعيها لمواجهة التحديات التي تواجه العراق على مستويات مكافحة الإرهاب، ومستويات خطط التنمية والإعمار، ومجالات دفع العملية السياسية إلى الأمام. إن العراق يتطلع إلى دعم جيرانه في سبيل إنشاء علاقات متينة ومستقرة مبنية على اساس التعاون والمصالح المشتركة والمتبادلة على كافة المجالات. كما نتطلع إلى دعم جيراننا في إيقاف الفتن التي تتغذى عليها غربان الموت والدمار. كما يتطلع العراق إلى مشاركة دولية أكثر فاعلية في جهود التنمية والإعمار، ودعم مشروع المؤتمر الدولي (العهد الدولي مع العراق). وتأييد العملية السياسية في العراق. إن دعم دولكم أيها السادة  ضروري في تعزيز الديمقراطية والإستقرار في العراق. إننا نضع الجميع أمام مسؤولياتهم الأخلاقية في اتخاذ موقف واضح وقوي ضد الإرهاب في العراق، ونتوقع تعاوناً في مجال تجفيف منابع الإرهاب وأصوله.

 

أيها المؤتمرون الكرام

 

   إن الوضع الدستوري في العراق بما فيه من سلطات ثلاث ومؤسسات، يستند إلى شرعية شعبية وانتخابات اعترفت الأمم المتحدة بنزاهتها، ومازالت الملايين التي حققت هذا الإنجاز حاضرة للدفاع عنه، وغير مستعدة للتنازل عنه، والعودة إلى زمن التغييب والدكتاتورية.

ولا يملك أحد التنازل عنه تحت أية حجة، أو إرضاءٍ لأي طرف. والمجتمع الدولي مطالب بحماية هذا الإنجاز الديمقراطي، ودعمه بمختلف أشكال الدعم والحماية والإسناد.

 

   ختاماً نتمنى لكم طيب الإقامة في بلدكم العراق وبين هذا الشعب الذي عرف بإكرامه للضيف وأنتم أهل للتكريم.

والسلام عليكم.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 0
يورو 0
الجنيه المصري 0
تومان ايراني 0
دينار اردني 0
دينار كويتي 0
ليرة لبنانية 0
ريال عماني 0
ريال قطري 0
ريال سعودي 0
ليرة سورية 0
دولار امريكي 0
ريال يمني 0
التعليقات
حيدر الاعرجي : دوله رئيس الوزراء المحترم معالي سيد وزير التعليم العالي المحترم يرجى التفضل بالموافقه على شمول الطلبه السادس ...
الموضوع :
مجلس الوزراء : موقع الكتروني لإستقبال الشكاوى وتقديم التعيينات
سهام جاسم حاتم : احسنتم..... الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام.جسد اعلى القيم الانسانية. لكل الطوائف ومختلف الاقوام سواء ...
الموضوع :
الحسين في قلب المسيح
Muna : بارك الله فيكم ...احسنتم النشر ...
الموضوع :
للامام علي (ع) اربع حروب في زمن خلافته
الحاج سلمان : هذه الفلتة الذي ذكرها الحاكم الثاني بعد ما قضى نبي الرحمة (ص) أعيدت لمصطفى إبن عبد اللطيف ...
الموضوع :
رسالة الى رئيس الوزراءالسابق ( الشعبوي) مصطفى الكاظمي
فاديه البعاج : اللهم صلي على محمد وال محمد يارب بحق موسى ابن جعفر ان تسهل لاولادي دراستهم ونجاح ابني ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
محمد الخالدي : الحمد لله على سلامة جميع الركاب وطاقم الطائرة من طيارين ومضيفين ، والشكر والتقدير الى الطواقم الجوية ...
الموضوع :
وزير النقل يثني على سرعة التعاطي مع الهبوط الاضطراري لطائرة قطرية في مطار البصرة
Maher : وياريت هذا الجسر يكون طريق الزوار ايضا بأيام المناسبات الدينية لان ديسدون شارع المشاتل من البداية للنهاية ...
الموضوع :
أمانة بغداد: إنشاء أكبر مجسر ببغداد في منطقة الأعظمية
ساهر اليمني : الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ...
الموضوع :
السوداني : عاشوراء صارت جزءا من مفهومنا عن مواجهة الحق للباطل
هيثم العبادي : السلام عليكم احسنتم على هذه القصيدة هل تسمح بقرائتها ...
الموضوع :
قصيدة الغوث والامان = يا صاحب الزمان
فيسبوك