ربما هي المرة الأولى التي كنت فيها وسط الحشود المليونية الراجلة إلى كربلاء دون ان أكون احدهم، حيث كانت مهمتي نقل صورة مصغرة عن هذه المسيرة الحسينية المباركة.
انها تظاهرة ضخمة منظمة بشكل لا يبدو عفويا، فالشعارات موحدة والهتافات متشابهة... وجعلت اتأمل التنظيمات والمؤسسات التي من شأنها تعبئة الجماهير، لعلي اقف على واحدة منها كانت هي المنظمة لهذه المسيرة وكنت عبثا احاول، حتى سمعت طفلا في العاشرة من عمره كان يرمقني بنظرة عابرة وشفاه باسمة ليتمتم مع نفسه وكأنه يحاول الرد على سؤالي، فسمعته يقول: هو الحسين، هو الحسين اجل منظم هذه المسيرة التي يعجز عن حشدها واستنفارها العالم بأسره هو الحسين، فانسابت دموعي على خدي وأنا اتطلع إلى بطل الطف وهو يحتضن كل هذه الحشود.
ثم اطرقت هنيئة لاستحضر التأريخ وكيف تعامل الطغاة مع الحسين منذ الواقعة حتى يومنا هذا، فمثلت في ذهني صور القتل التعذيب والتشريد والعبوات والمفخخات والهاونات.. ثم جعلت اتأمل القضية من هذا الجانب فاذا هي المسيرات والتظاهرات وتجديد البيعة والزحف على الاقدام وتحمل عناء الطريق ومشقة الرحيل، حقا هي صورة الحسين ويزيد والعباس والشمر وحبيب وحرملة، آنذاك كان لا بد لي من تصفح تاريخ حزب البعث الدموي الذي بالغ في محاربة الحسين واتباع الحسين والشعائر الحسينية، ولم أملك بدا من المقارنة بين عناصر النظام واجهزته الأمنية التي كانت تنشر الخوف وا لرعب في ربوع البلاد فضلا عن الزوار، وعناصر الجيش والقوات الأمنية في عراق اليوم، عراق الحسين، فكنت المس مدى شجاعتهم وكرمهم وعلو همتهم وهم يتسابقون على خدمة الزائرين فضلا عن حمايتهم، وهنا طالعتني التهم البعثية الرخيصة التي تسعى للنيل من كرامة هذه الاجهزة الشريفة، ولعل اولها وليس آخرها قضية ( صابرين الجنابي) وبعض الذي روجوا لها ممن كانوا على شاكلتها وتتلمذوا في مدرستها التي كانت تلقن افرادها دروسا في البغي والظلم والعدوان وهنا انتابني شعور بالخجل للدخول في تفاصيل هذه القضية مع هؤلاء الابطال، الذين انقسموا مجاميع وزرافات هذه تقدم الطعام والشراب وتلك تقدم العلاج، وهذه تلطم الصدور وتلك تنظم الطريق.
ولنترك الكلام لقوات الحرس الوطني حيث تحدث النقيب حسين عبد الزهرة عن الاجراءات الامنية المتخذة لحماية الزوار، الذي حدثنا قائلا:
تشرفنا هذا العام باقامة موكب يعني بتقديم الخدمات إلى الزائرين وتخفيف عناء التعب عنهم، واستطرد قائلا: اشعر ان المسيرة الراجلة لهذا العام تفوق سابقاتها، وكأن الجموع الحسينية تحاول بعث رسالة صمود وتحدي للعصابات التكفيرية والصدامية .
وفوجئنا في الطريق باحدى دوريات الجيش العراقي التي انهمك افرادها في تصليح عطل سيارة شخصية كانت تقل بعض الزوار ليعلنوا انهم مستعدون لتقديم كافة الخدمات التي من شأنها ازالة تعب الطريق عن الزائرين، في حين انهمك البعض الآخر منهم بتقديم الطعام والشراب لسائر الزائرين.
اما النسوة الطاعنات في السن واللاتي جئن سيرا على الاقدام من العمارة والبصرة والناصرية فقد أجمعن على تحدي الارهاب ووسائله الاعلامية التي يسعى من خلالها إلى الحد من هذا التدفق المليوني، ورفعن ايديهن بالدعاء مبتهلات إلى الله تعالى في حفظ هذا الشعب وقيادته ونصر الدين على اعدائه.
كما كانت لنا بعض الوقفات مع الاطفال من تلامذة المدارس الابتدائية والذين انطلقوا في هذه المسيرات وهم يشعرون بالسرور كونهم يشاركون اخوتهم المؤمنين في هذه الحشود دون الملل والتعب من طول الطريق.
بعدسة كاميرة السيد غيث الموسوي
https://telegram.me/buratha
