الصفحة الإسلامية

"وقفة أسلوبية مع خطبة الرسول الأعظم ( ص) في  استقبال شهر رمضان  المبارك"

3847 2021-04-12

 

د.أمل محمد الأسدي ||

 

جاء في خطبة رسول الله الأعظم (صلی الله عليه وآله) في استقبال شهر رمضان :

[أيها الناس! إنَّ أبواب الجنان في هذا الشّهر مفتّحة فسلوا ربّكم أن لايغلقها عليكم، و أبواب النيران مغلّقة فسلوا ربّكم أن لايفتحها عليكم، و الشيّاطين مغلولة فسلوا ربّكم أن لايسلّطها عليكم]

ولو دققنا في  هذا الجزء من الخطبة لوجدنا خصائص أسلوبية  قصدها الرسول الأعظم   في خطابه وهو الذي (( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ۞إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ))سورة النجم،الآيتان:٣-٤

ومن هذه الخصائص :

١- أسلوب النداء ( أيها الناس) وجاء هنا لترقيق قلوب الناس ولفت انتباههم الى عظمة هذا الشهر.

٢- أكد  ( صلى الله عليه  وآله وسلم) الخطابَ بـ ( إنّ).

٣-  قدم المتعلق  فلم يقل " إن أبواب الجنان مفتحة في هذا الشهر )، بل قال: ( إن أبواب الجنان في هذا الشهر  مفتحة) لبيان أهمية هذا الشهر وعظمته .

٤- ذكر الجنة وبابها  بصيغة الجمع،  أبواب ، جنان وذكر النار أيضا بصيغة الجمع( نيران).

٥- التضعيف في كلمتي مفتّحة ومغلقة، وذلك لبيان سمة القوة والإحكام  في فتح أبواب الجنان وغلق أبواب النار ، فلم يقل "مفتوحة " مثلا ، ولم يقل مغلقة  .

٦-  خاطب الناس آمراً بأن   يسألوا ربهم أن لايغير طبيعة هذا الشهر نتيجة لذنوبهم فقال لهم ( سلوا ربكم أن لا يغلقها عليكم، وسلوا ربكم أن لا  يفتحها عليكم، وأن لا يسلطها عليكم ).

٧- استعمل كلمة ( ربكم ) ولم يستعمل  لفظ الجلالة ( الله ) ؛ لأن اضافة كلمة ( رب ) الى الضمير (كم) كان بمثابة تذكير للمخاطبين  بأنه ربكم  قريب منكم  عارف بأحوالكم، وهذا يتناسب بما أمرهم به من دعاء وسؤال لله بعدم غلق أبواب الجنة وعدم فتح أبواب النار) وفيه تبيان لشدة قرب الله تعالى من عباده فضلا عن دعوته( صلى الله عليه وآله) الى تواصلهم مع الباري عز وجل وحثهم علی ذلك.

٨-" والشياطين مغلولة"  والغُلُّ : طوقٌ من حديد أَو جلد يُجعَل في عنق الأَسير أَو المجرم أَو في أَيديهما والجمع : أَغْلالٌ، وهنا  إشارة الى عجز الشياطين عن وسوستها وحثها لبعض بني البشر على الإثم وارتكاب المعاصي، وربما يخطر في الأذهان  سؤال وهو :  من وراء ما يقوم به الإنسان من أعمال منكرة في شهر رمضان  والشياطين مغلولة؟

  والإجابة تكون : إنها بفعل النفس الأمارة بالسوء، فعلينا أولا محاربة الهوى ومجابهة النفس  واستثمار  غل الشياطين وعجزها لصالحنا ،كي نجني ثواب الدنيا والآخرة ، هذا من باب، ومن باب آخر فإن الرسول الأعظم قد طلب من الناس أن يسألوا  ربهم أن لا يسلط الشياطين عليهم ، وهذا يعني أن من حرّكته نفسه  الأمارة بالسوء نحو الآثام والمعاصي، حينها سيستبعد من رحمة الله وسيسلط الله تعالى عليه  الشياطين  ويزيل أغلالها.

٩-   يمكن ملاحظة ( مفتحة، ومغلقة، مغلولة) وهي مفردات على صيغة اسم المفعول ، إلا أن الاختلاف في  الفعل الذي صيغت منه فـ( مفتحة ومغلقة) صيغت من فعّل بالتضعيف  فُتّحت = مفتَّحة، غُلَّقت= مغلَّقة

أما مغلولة فهي من الفعل  غُلَّ، غُلَّت = مغلولة

وفِي هذا دلالات ومنها في المفردتين ( مفتحة ، مغلقة) التكثير والإحكام  والتشديد في الغلق والفتح، كما ذكرنا، أما ( مغلولة) فلم تعط معنى التشديد والإحكام وذلك لأن الأمر موكل بإيمان الإنسان  وشدة التزامه واحترامه لهذا الشهر،وقدرته على مجابهة النفس ومحاربة الهوى، ولاننسى أن ( اسم المفعول) يشتق من الفعل المبني للمجهول ، وفِي هذا أيضا دلالة وهي لبيان عظمة الفاعل وجلالته وهو الله تعالى.

١٠- نلاحظ أيضاً تأكيد الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله) عن طريق تكراره ( فسلوا ربكم ) التي تكررت ثلاث مرات، إذ إن تكرارها شكل سياقاً ترك أثره في نفس المتلقي وهو ضرورة اللجوء الى الله تعالى والتماس التوفيق منه في إمضاء أمر تفتيح الأبواب وتغليقها، وغل الشياطين.

١١- التقابل بين ( الجنان ، النيران) و (مفتحة، مغلقة) الذي  أثار ذهن المتلقي واستفزه  صوتياً ودلالياً ، ونبهه الى أهمية هذا الشهر ، ولفت انتباهه الى عظيم ثوابه ،  فهو شهر الله الذي لا يتكرر في العام الاّ مرة واحدة.

كانت هذه لمحات أسلوبية في خطبة رسول الله( صلى الله عليه وآله ) في استقبال شهر رمضان، فالبلاغة والفصاحة من أهم صفاته وأجلاها،وقد قال تعالی:((وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۞نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ۞عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ۞بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ)) سورة الشعراء،الآيات:١٩٢-١٩٥

وكما قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام ): ((كلامُنا دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين)).

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
----خلف ناصر عبد الله : اتمنى لكم التوفيق والسداد بحوث روعه غيتها اعلاء اعلام دين الله سبحانه:؟ ...
الموضوع :
تفسير "هذا صراطُ عليٍّ مستقيم" (الحجر: 41)
منير حجازي : العلاقات التي تربط البرزانيين بالكيان الصهيونية علاقات قديمة يطمح الاكراد من خلالها أن يساعدهم اليهود على إنشاء ...
الموضوع :
النائب مصطفى سند يُحرك شكوى ضد ممثل حكومة كردستان في المانيا دلشاد بارزاني بعد مشاركته احتفال في سفارة الكيان الصهيوني
منير حجازي : الاخت الفاضلة حياكم الله نقلتي قول (أنطوان بارا) في كتابه الحسين في الفكر المسيحي وهو يعقد مقارنة ...
الموضوع :
الحسين في قلب المسيح
ولي : بعد سنوات اليوم يقبل ابناء عنيفص منفذ المقابر الجماعية بحق الانتفاضة الشعبانية ١٩٩١ في الكلية العسكرية بينما ...
الموضوع :
محكمة جنايات بابل تحكم باعدام الارهابي رائد عنيفص العلواني قاتل 26 مواطنا ودفنهم في حديقة داره ببابل
زياد مصطفى خالد : احسنت تحليل واقعي ...
الموضوع :
مسرحية ترامب مع زيلنسكي والهدف الامريكي !!
ابو حسنين : انظرو للصوره بتمعن للبطل الدكتور المجاهد والصادق جالس امام سيد الحكمه والمعرفه السيد علي السستاني بكل تواضع ...
الموضوع :
المرجع الديني الأعلى السيد السيستاني يستقبل الطبيب محمد طاهر أبو رغيف
قتيبة عبد الرسول عبد الدايم الطائي : السلام عليكم اود ان اشكركم اولا على هذا المقال واستذكاركم لشخصيات فذة دفعت حياتها ثمنا لمبادئها التي ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
م خالد الطائي : السلام عليكم, شكرا لصاحب المقال, عمي مالك عبد الدايم الطائي: خريج 1970م، تخرج من كلية العلوم بغداد ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
ام زهراء : مأجورين باىك الله فيكم ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
علاء عبد الرزاق الانصاري : الاهم صلي على محمد وال محمد الطيبين الطاهرين ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
فيسبوك