( بقلم : د. سناء الحربي )
الخطأ ممارسة بشرية أزلية كما يقولون ، و الحق أن الأمر كذلك و لكن على الدوام يساوق " الخطأ" " تبرير الخطأ " ، وهو ممارسة أخرى مقابلة . الكثيرون يخطئون فبني آدم خطاّء و لكن خير الخطّائين التوّابون و التوبة تعني تصحيح الخطأ و الإفادة من التجربة و إضافة حالة من الغنى الروحي للنفس البشرية . أما التبرير فهو الإصرار على الفعل و الموقف الخاطئ و اعتزاز بالإثم و الخطيئة و بالتالي فلا من تصحيح لمسار و لا من إفادة من تجربة و لاشيء من ذلك ، مقيت و كريه هو التبرير .. و لكن الأشد مقتا و أكثر جلبا للكراهة أن يصبح التبرير منهجا سادرا في غي أصحابه حد أنك تُصدَع بالتساؤل المر عن جدوى ما يفعله المبررون ! و إلى متى يستمرئون هذا الموقف من أخطائهم المتكررة و نواقصهم الفاضحة !!ثمة أشياء يسعك القبول بحجج وجودها أو عدمه ، بمعنى القبول بتبرير ما حصل منها و كان من المفترض ألا يحصل و ما لم يحصل منها و كان من الحكمة و العقل حصوله و تحققه .. وفي المقابل ثمة أشياء أخرى لا مجال للقبول بأية حجة تبررها .. لكن هذا التقسيم يفقد معناه و يغدو بلا قيمة حين يصبح التبرير منهجا يكرر الحجج و يختلق الذرائع و يبسط أفانين القول و التنظير لينتهي إلى غاية واحدة هي أن الخطأ لم يكن خطأ و أنكم لمشتبهون !
كنت ولا زلت أقول و أكتب و أجاهر مرددة أن المنهج الصدري هو منهج تبريري و أن العقلية الصدرية مسكونة بأسطورة المثال و التابو المقدس فلا مكان للخطأ و لا افتراض الخطأ فالنموذج الصدري خرافي معصوم من التيه و الزيغ و الانحراف و أن مسطرة الولي المقدس ألقت نفسها على خط الزمن على يد مقتدى الصدر فراح الصدريون يقتفون مسارا قويما لا اعوجاج فيه فيما الآخرون زائغون عن القصد منحرفون عن الصراط مائلون لمطامعهم و مصالحهم و كأن الصدري لا مصلحة له يسعى لأجلها و لا غاية تحركه و لا مطمع يطمع فيه !! بالطبع إن منهج التبرير الصدري و لنعترف بذلك فهو من حقه علينا منهج اكتسب أصحابه خبرة في مضماره ، و كأيٍّ من الطرائق و الأساليب لا بد له من قشرة تنزلق من فوقها بعض النظرات الحادة و لا بد له من أوراق تغطي حالك اللون الذي ينبئ بمدى زيغه و خطله .. من هنا كان لدعاة التبرير الصدري أن يفتنوك برقع و هوامش الاعتراف بكون بعض منهم قد اقترف الخطأ و ابتعد عن الصواب .. هوامش تبدو من جميل النقد الذاتي الذي يعتبر أحد أعمدة البقاء للمناهج و الأطاريح و السياسات . لكنها أعني هذه الهوامش و الرقع لا تعدو كونها رمادا يذر في عيون القرّاء و تبقى الغاية واحدة و يبقى المنهج أصيلا و وفيا لمزاج و عقلية أصحابه .
ما دفعني لكتابة هذا المقال و بهذه المقدمة قراءتي لعدة مقالات خلال الأسبوع المنصرم جميعها كانت ردا على مقال واحد نشر في كتابات ، الموضوع هو لقاء مقتدى الصدر في فضائية آفاق و الذي كان صدمة للعديد من أتباعه بل و غير أتباعه كذلك .. و لم يجذب انتباهي سوى مقالة – من بين تلك المقالات العديدة – كانت لمستشاره الثقافي الذي أتحفنا بعرض مال فيه إلى الختال مع القارئ و المؤاربة في تناول موضوعه الذي صوّره و كأنه من نافلة القول لا صلب ما جال في ذهن السيد المستشار فدفعه للكتابة و بعد وقت ليس بالقصير من ذلك اللقاء المذهل ! ذهب الأخ الكاتب منافحا عن جانب هو الأكثر جدلا في وطيس الرد و الرد المقابل أعني به ثقافة مقتدى الصدر .. هذه الثقافة التي رأى المشاهدون للقاء كيف أنها لا ترقى لثقافة طالب في المرحلة الابتدائية و لكن مقالة الأخ المستشار جاءت لترسم لنا صورة مغايرة تماما و من وحي التقيت به و وجدته و نصحني و كل ما يدلل على أن كاتب المقال انطلق من واقع حق لا يعتريه الشك ! و وفقا لهذا " الواقع " فإن مقتدى الصدر يبدو رجلا مثقفا من الدرجة الأولى بل من طراز رفيع و فريد ، على خلفية كونه معمما و رجل دين ، ملما بكل صنوف المعرفة و مطلعا على مختلف الفنون الأدبية شرقية و غربية حتى أنه قرأ تلك الكتب التي تعد لحد هذا اليوم لدى عدد من رجال الدين في عداد كتب الضلالة و التي " لا يجدر " بالمسلم فضلا عن طالب العلم الديني قراءتها لكونها تطرح الشبهات التي يشذبها و ينمقها الملحدون أو أعداء الإسلام مخافة أن يعلق شيء منها في نفس أو عقل الطالب فتزعزع اعتقاداته و تشوش ذهنه ..و لا حاجة هنا للتذكير بأن مقتدى الصدر و الصدريين عموما أناس راديكاليون متعصبون يتشبثون بقشور كثيرة و شعارات عتيدة و أن مواقفهم من قضايا أساسية كالديمقراطية و العلمانية و غيرهما طالما تم وصفها بالمواقف المتشددة و التي لا تخلو من المراهقة و محدودية العقل و ضيق الأفق ، و مقتدى الصدر المثقف جدا حسب رأي مستشاره لا يعرف عن العلمانية شيئا يذكر سوى أنها شرب الخمور و إقامة الملاهي و هذا ما صرح به مرارا و تكرارا بل ذهب حد وصف الأحزاب الإسلامية المنافسة له كونها علمانية ما يعكس قصورا رهيبا في فهم معنى العلمانية أصلا !! فهل ثمة مثقف ولو من الدرجة الدنيا يجهل قوام الفصل العلمي و المنطقي بين الأطروحة العلمانية و تلك الإسلامية ! إن الثقافة ليست جينة خفية تحتاج إلى مخابر للتحليل كي نميز بين من تتوفر فيه و بين فاقدها هي بالأحرى حصيلة المعرفة التي يغتنمها المرء في حياته و تقوم بصياغة شخصيته و بناء عقلية تستند في تقييمها و تحليلها لما حولها على أسس معرفية و أخلاقية واضحة و إن ثقافة المرء لتنعكس على كلماته و طريقة تعبيره و كيفية تشخصيه للأحداث و القضايا و طبيعة الحلول التي يقترحها و هي أيضا تصوغ شخصية تتمتع بجاذبية و كارزما بدرجة أو بأخرى تجد لها الكثير ممن يحترمها .. فأين مقتدى الصدر من ذلك كله بالله عليك !
في اللقاء التلفزيوني الذي شاهده العديد من المتابعين عجز السيد مقتدى عن تذكر أشياء بسيطة بدءا من تاريخ ميلاده و انتهاء بالكتب التي قرأها ولو واحد منها على الأقل مرورا بنسيان قاتل و كئيب حتى لأهم الوجوه التي صادفته في حياته الدراسية و غيرها من أصدقائه و زملائه !! و طبقا لمنهج التبرير و منطقه الذي أشرت إليه في بداية المقال لنرَ كيف وجد السيد المستشار تبريرا لذاكرة و نسيان السيد القائد ..
يقول الأخ في معرض تبريره لنسيان السيد القائد تاريخ ميلاده : (.. ليس من المعقول أن أحداً يمكن أن ينسى يوم ميلاده ، ولكن الرجل يخاف من المغالاة ، وأن يتحول يوم ميلاده إلى مناسبة للاحتفاء و الاحتفال من محبيه وعشاقه ) .. لا ادري كيف استساغ السيد المستشار في عاصمة العالم المحتلة أن يسطر هذا التبرير المخجل و ما هذا التقديس الأسطوري الذي يذكرنا بتقديس الطاغية صدام المقبور و لأن الشيء بالشيء يذكر فهنا و احسب أن الجميع كذلك يتذكرون اللقاء الذي عرضته التلفزة العراقية في عهد المقبور و لقائه ببعض أركان أزلامه بعد أن أقدم على خط المصحف الشريف بدمه .. في اللقاء كان هناك تبريران واحد صدر من طه ياسين رمضان و الآخر من عزة الدوري ، الأول قال له : إن دمك سيادة الرئيس القائد طاهر و الآخر قال إنك سيدي الرئيس مجتهد و المجتهد إن أصاب له أجران و إن أخطأ فله أجر و أكمل بالقول : إنك حتى لو كنت مخطئا فنحن نتبعك .. و عندها انطلقت الأيادي بالتصفيق ، هذا اللقاء الذي شاهدته و بقي راسخا مما لا أنساه استعدته هنا للمقارنة بين أمرين على شاكلة واحدة .
و يستمر السيد المستشار بتبريراته .. ترى كيف برر نسيان القائد الملهم لكل عناوين الكتب التي قرأها طيلة حياته ؟ الأمر سهل – وفق منهج التبرير الصدري بالطبع – حيث يرى الكاتب أن الرجل كان ممنوعا من الحديث و الدليل أنه كان " ممنوعا عليه حتى تشغيل أجهزة التكييف " ، بدليل آخر أيضا هو " ما أشار له مقدم اللقاء حين شكى من الحر الشديد ، في الجزئين الأول والثاني " الأكثر طرافة في سطور التبرير التي وردت لسيادة السيد المستشار هو أنه رغم هذه التبريرات المضحكة و المخجلة يعود ليتساءل قائلا " لا أعرف لماذا لم يتذكر نقاشنا - أنا وإياه – في براني والده ليلاً ، حول رواية آرنست همنغواي ، ولا أعرف لماذا لم يذكر إشكالاته على الشاعر (رامبو) الذي استعبده الماس والمال " .. و أن يقرأ مقتدى الصدر شعرا لرامبو فهو أمر مثير حقا و يدفع إلى الانبهار من العقلية المنفتحة للرجل هذا الانفتاح الذي لم يره و يحس به أو يستشعره أحد سوى السيد المرواني و كأنه ليس المنتقد للعبة شعبية ككرة القدم مفضلا عليها أكل الكركري و متسائلا بكل ما تعنيه السذاجة من معنى مؤكد عن جدوى السعي لتسجيل هدف و لماذا لا يكون البديل عن الهدف في مرمى الخصم في تلك اللعبة هو هدف سام في الحياة !! وهو أمر يشبه التساؤل و بنفس القدر من السذاجة عن جدوى سير المرء للترويح عن نفسه بدلا من السير في تقوى الله سيما أن كلمة سير هذه اشد علوقا بالمصطلحات الأخلاقية من كلمة هدف ..
أخيرا أقول إن أحد الأخوة القراء كان يجهد في التعليق على مقالاتي السابقة معلقا عليها بعبارة واحدة هي : يا سيدة سناء يقال حدث العاقل بما لا يعقل فإن صدق فهو ليس بعاقل " و أنا هنا اكتفي تعليقا على مقالة المستشار بهذه الكلمات لهذا الأخ المحترم .
https://telegram.me/buratha