المقالات

موائدُ الأربعين..

1281 2022-09-15

حسين فرحان ||

 

يُحكى أنَّ دولةً أرادتْ أنْ تضعَ اسمَها في موسوعةِ (غينيس) لتُسجِّلَ رقمًا قياسيًا لأطولِ مائدةِ طعامٍ في التاريخ، فأعّدتْ واستعدّتْ وتهيّأتْ لتبلغَ الرقمَ الصعبَ الذي أعلنتْ عنه وقد كانَ ثلاثةَ كيلو مترات، فاجتمعَ أصحابُ الفكرةِ وما لبثوا حتى تناثرَ الطعامُ بينَ أيدي الجماهير المُحتشدةِ قبلَ أنْ يصلَ مائدتَهم التي كانوا يرجون أنْ تكونَ عيدًا لأولِهم وآخرهم.. فاستحالَ الحلمُ برقمٍ عالمي إلى سراب..

انبرتْ دولةٌ أخرى لتصنعَ ما صنعتْه الأولى، فلم تبلغْ رقمَها وحالتْ بينَها وبينَ الثلاثةِ كيلو مترات أمتارٌ قليلة..

ولستُ أعلمُ أنْ كانتْ (غينيس) قد دوّنتْ ذلك فيما دوّنتْ من تطلُّعاتِ البشرِ للانفرادِ بشيءٍ يُميّزهم.. حقٌّ يراه الناسُ أنّه مُباحٌ ومشروعٌ ولا غبارَ عليه.. فليستعرضوا ما شاؤوا..

ضوءٌ إعلامي ساطعٌ يُسلَّطُ على تلك الأحداث، وضوءٌ خافتٌ يمرُّ مرورَ الكرامِ بموائدَ تجاوزَ طولُ بعضِها العشرين كيلو مترًا..

مسألةٌ حماريةٌ جديدةٌ تُفصِحُ عن باءٍ تجرُّ وأخرى لا تجر! تُقابِلُها اللامُبالاة بشأنِها إنْ جرّتْ ما بعدَها أم تركته على حاله..

فالمائدةُ التي لم تلتفتْ إليها (غينيس) ولم يُعِرْها الإعلامُ ذو السطوةِ العالميةِ اهتمامًا، لم تُصنَعْ لتنالَ الشهرة، فهي المُباركةُ بالصلواتِ والعامرةُ بالخيراتِ والمليئةُ بالطيبات، صنعتْ طعامَها يدُ خادمٍ نذرَ الغالي والنفيسُ ليبلغَ رضا فاطمةَ وعلي (عليهما السلام)، وبذلَ ما لديه ليثبتَ للعالمِ أنّه بمنزلةِ (الحُسيني).. فلم تكُنِ المائدةُ التي يُشاطرُه بها أهلُ المواكبِ سوى فعاليةٍ واحدةٍ وجُزئيةٍ صغيرةٍ في بحرِ زيارةِ الأربعين المليئة بالأسرارِ والعطاء..

والقضيةُ أكبرُ من كونِها عرضًا (كرنفاليًا) أو تقليدًا شعبيًا يشبهُ مهرجاناتِ الطماطمِ في بلدانٍ أخرى، إنّما هي عقيدةٌ ودينٌ وشعيرةٌ من الشعائر، وحين تكون بهذا الشكلِ وتحملُ مثلَ هذه العناوين؛ فهي بلا شك لا تنتظرُ من أحدٍ أنْ يُدوّنَها في موسوعاتِ العالمِ التي تُسجّلُ ما عجزَ عنه البشرُ في مجالٍ مُعيّن، فإنْ دوّنتها الموسوعاتُ فبها وإلا فمن المُتيقَنِ لدى أصحابِ الموائدِ الحُسينيةِ أنَّ هناك من سجَّلَها وادخرها لهم..

وهذا ما لا يُمكِنُ للإعلامِ الأعورِ وللمُنظّماتِ التي تغضُّ طرفَها عن عجائبِ الأربعين أنْ يفهموه.. وكيفَ لهم أنْ يعرفوا أو يفقهوا أنَّ للمواكبِ أسرارَها وللخدمةِ أسرارَها.. وأنَّ كُلَّ الذين يتجاهلون قضيةَ الحُسينِ وأدواتِهم لا يُشكِّلون إلا قطرةً في بحرِ اهتمامِ الشيعةِ بأداءِ أجرِ الرسالةِ على أتمِّ وجهٍ لا يُريدون جزاءً من أحدٍ ولا يُريدون شكورًا.

 

 

ــــــــــــ

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
----خلف ناصر عبد الله : اتمنى لكم التوفيق والسداد بحوث روعه غيتها اعلاء اعلام دين الله سبحانه:؟ ...
الموضوع :
تفسير "هذا صراطُ عليٍّ مستقيم" (الحجر: 41)
منير حجازي : العلاقات التي تربط البرزانيين بالكيان الصهيونية علاقات قديمة يطمح الاكراد من خلالها أن يساعدهم اليهود على إنشاء ...
الموضوع :
النائب مصطفى سند يُحرك شكوى ضد ممثل حكومة كردستان في المانيا دلشاد بارزاني بعد مشاركته احتفال في سفارة الكيان الصهيوني
منير حجازي : الاخت الفاضلة حياكم الله نقلتي قول (أنطوان بارا) في كتابه الحسين في الفكر المسيحي وهو يعقد مقارنة ...
الموضوع :
الحسين في قلب المسيح
ولي : بعد سنوات اليوم يقبل ابناء عنيفص منفذ المقابر الجماعية بحق الانتفاضة الشعبانية ١٩٩١ في الكلية العسكرية بينما ...
الموضوع :
محكمة جنايات بابل تحكم باعدام الارهابي رائد عنيفص العلواني قاتل 26 مواطنا ودفنهم في حديقة داره ببابل
زياد مصطفى خالد : احسنت تحليل واقعي ...
الموضوع :
مسرحية ترامب مع زيلنسكي والهدف الامريكي !!
ابو حسنين : انظرو للصوره بتمعن للبطل الدكتور المجاهد والصادق جالس امام سيد الحكمه والمعرفه السيد علي السستاني بكل تواضع ...
الموضوع :
المرجع الديني الأعلى السيد السيستاني يستقبل الطبيب محمد طاهر أبو رغيف
قتيبة عبد الرسول عبد الدايم الطائي : السلام عليكم اود ان اشكركم اولا على هذا المقال واستذكاركم لشخصيات فذة دفعت حياتها ثمنا لمبادئها التي ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
م خالد الطائي : السلام عليكم, شكرا لصاحب المقال, عمي مالك عبد الدايم الطائي: خريج 1970م، تخرج من كلية العلوم بغداد ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
ام زهراء : مأجورين باىك الله فيكم ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
علاء عبد الرزاق الانصاري : الاهم صلي على محمد وال محمد الطيبين الطاهرين ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
فيسبوك