المقالات

مسارب وإتجاهات في حروف أغطية الكلمات  


رياض البغدادي ||

 

قراءة في قصيدة ( إتجاهات غير محددة ) للشاعرالعراقي محمد الجاسم وهي إحدى قصائد مجموعته الشعرية الثانية ( أغطية الكلمات ) الصادرة طبعتها الأولى العام 2017 عن دار الشؤون الثقافية العامة في وزارة الثقافة والسياحة والآثارفي العراق .

يقول الشاعر في مطلع القصيدة :

تُحيط ُبنا اتّجاهاتُنا

يتكلم الشاعر عن الإتجاهات التي تحيط بنا، وهي بالحقيقة الأحلام والتطلعات التي يرسمها الشاب بعد أن يتجاوز مرحلة المراهقة، فيبدأ عنده الشعور بوجوب بناء الذات والسعي الى شق الحياة بمجموعة من الرغبات والتطلعات، التي رسمها في مخيلته، بالنظر الى مواهبه وإمكاناته المادية والعلمية، فمِنّا مثلاً مَنْ عقد العزم على أن يكون مهندساً بارعاً قد رسمه في مخيلته منذ أيام الطفوله، التي تتحدد فيها المواهب .

مثل أسرابِ قيدِ الذهولْ

من المفارقات النفسية التي يعيشها الإنسان، هي قدرته على النسيان، أعظم من قدرته على التذكر، ولهذا نحن نعلم علم اليقين، أن ما نذهل عنها وننساها من الأشياء أكثر وأعظم من تلك التي نتذكرها، ولهذا أراد الشاعر أن يعبر عن كثرة الإتجاهات التي خطط الشاب يُيَمِّمَ وجهه شطرها، في ابتداء حياته، او كما قلنا بأنها الآمال والتطلعات التي رسمها، فهي أسراب كثيرة ككثرة ما قيدته سجلات النسيان، من آمال الناس التي لم تتحقق .

تُراوِدُ أحلامَنا

هنا أفصح الشاعر عما قلناه وفسرنا به الإتجاهات التي في مطلع القصيدة، فالشاعر أفصح، عن أن الاتجاهات ماهي الا الرغبات، التي تراود أحلامنا، ونكرر استحضارها للإستئناس بها، وتبديد حالة الملل، أو نستذكرها كل حين، وكلما سنحت لنا الفرصة، لكي نؤكد عزمنا على تحقيقها وإصرارنا على الوصول اليها .

كشُرفةِ وَجْدٍ

على باحةٍ مِنْ مُحولْ

يصور لنا الشاعر بإبداعه العالي، أن استحضار الآمال والتطلعات، كأنها نافذة تشرف منها النفس لتنظرالى ما رسمته لمستقبلها، أو ربما يقصد العكس، هي شرفة ونافذة تتطلع بها الآمال بشكلها الحلم،على النفس وحقيقة عيشها، ووجودها بغير تلك الآمال، فما ترى إلا باحةً من الجدب والأرض القاحلة، وهو معنى (المحول) التي لا يوجد فيها شيئ مما قد يبعث فيها الأمل بقرب تركها حيز الآمال، وعالم الخيال، ومجيئها الى عالم الحقيقة والحضور .

قبلَ ذاكَ الذهولْ

شربنا كِراعاً أنينَ الحقولْ

أراد الشاعر ان يركز في مخيلتنا الذهول والنسيان، لكي يستحضر حالة الألم التي يعيشها الإنسان، عندما يتقدم به العمر، ولا يجد من آماله الا كومة من الأوراق والصور،التي تذكره بالماضي المشرق بهجة وسروراً بتخمة الأمل، ذلك الأمل الذي زيّن له حياته وقرّب له مسافات الوصول ...

وفي المقطع (شربنا كِراعاً أنينَ الحقولْ )، ربما أراد الشاعر أن يبيّن، أن الصور تتكرر، فالحقول كانت ملأى بآمال من سبقنا، وقد شربنا ماتبقى من أنخاب فشلها المتناثر، بل وسمعنا أنين بكائها في الحقول التي يبث فيها المرءُ عادة أحزانه وشكاواه .

وكنا كُماةً على الضيمِ

هنا بدأ الشاعر يتكلم عن مسار الحياة التي انتزعته من بهجة آماله وتطلعاته، في ما رسمه لمستقبله من حياة كريمة، لكنه فجأة وجد نفسه مقاتلاً لحماية مستقبل الآخرين، الذين ربما لم يولدوا بعد، فالضيم والقهر الذي وجده عثرة أمام المستقبل المشرق، لابد من أن يتصدى له، ولو كلفه ذلك حياته، وقد كلفه حياته فعلاً، فهو ميت من اليوم الذي قرر فيه أن يكمن للضيم، فذلك لا يمكن إلا بالتخلي عما رسمه لمستقبله، والتخلي عن الآمال، هو بالحقيقة موت، وان استمر المرءُ يشهق ويزفر بالحياة .

في لجّةِ الهَوْرِ

في مُدُنِ الهاربينْ

أصبح واضحاً كلام شاعرنا، إنه يتكلم عن حياة الشبّان الذين نذروا انفسهم من أجل العراق، أولئك الطامحين الى الحرية، والمستقبل الذي سيكون مشرقاً بدون وجود البعث المجرم، البعث الذي قهر العراقيين بالظلم والإستبداد، وساقهم الى مغامرات قائده النافق الى حروب عبثية، قتل فيها مئات الآلاف من الشبّان المتخمين بالآمال، التي لم تتحقق أبدا ...

شاعرنا الذي عاصر تلك الأيام الدكناء الكالحة ، والتي عانى فيها كما أقرانه، وسجن ونال حصته من التعذيب النفسي والجسدي ...

فكان الهور طريق الأحرار و ( جباشاته ) عنوان الشرف والغيرة على هذا الوطن، الذي لم يترك فيه البعث المجرم صورة مشرقة من صوره، إلا وألحق بها الدمار، ولم يكتفِ البعثيون بدمار البلد وتبديد ثرواته، بل شمل الدمار حتى الأحلام والآمال ..

الشاعر محمد الجاسم يريد أن يؤرخ لأولئك الشجعان، الذين ركلوا بأقدامهم كل أحلامهم الخاصة، بحياة الدعة والرفاه والمستقبل الدراسي الذي هو مطمح كل شاب ، تركوا كل ذلك ليلتحقوا بتلك الأهوارالسومرية، التي قادت البلد الى معارك الشرف من أجل الحرية لهذا الشعب العظيم ، إن أعظم ما قدمه أولئك الشبّان، لم يكن قتالهم وتصديهم لمشاريع الإستبداد البعثية،وحسب، بل بقدر ما كانت عظيمة  تضحيتهم بمستقبلهم ودراستهم وممارسة هواياتهم، حالهم حال الآخرين من الشبّان الذين لم تسنح لهم الفرصة، أن يسجلوا أسماءهم في سجل تأريخ الجهاد والنضال العالمي، ليكونوا أمثلةً للمضحين من أجل الحرية ...

في شُعاعاتِ غِبَّ الأفولْ

حوصرتْ قبلَنا خياراتُنا

الشاعر مصرٌّ أن يواصل كتابة تأريخ أبناء جيله من المجاهدين، كما ولديه إصرار عجيب على ربط ماضيهم بحاضرهم، على الأقل لمن تبقى منهم، وكأني أقرأ بين حروفه الذهبية أنه يقول: في آخر مسيرتنا، عندما لم يتبقَّ من عطائنا غير تدوين الذكريات وقصص البطولة، وكأنها (غِبَّ الأفولْ) وهو الضياء الأخير الذي ينير دروباً حالكة الظلام، وبعد أن أَفِلَ كلُّ شيءٍ مما كنا نحتسب بقاءه، فوجئنا أننا لم نكن نعي سلطة الأقلام التي ستدوِّن تأريخنا، فتقلب الظالم ضحية والضحايا مجرد قطاع طرق، ومخربين، ومستهترين، ورجعيين، وعملاء، حتى خياراتنا أصبحت محاصرة، وبتنا ندفع عنها، لعلنا نفك قيود التأريخ المزيف الذي حوَّلَنا الى جُناة، لأننا مازلنا نملك عظامنا وجماجمنا، ولم نمنحها الى مقابر جماعية، تُصْنَعُ فيها كراسي المناصب والإمتيازات من عظام البشر، الذين كانو يوما ما مجاهدين (تُحيط بهم إتّجاهاتُهم مثلَ أسرابِ قيدِ الذهول) .

وبِتْنا تحتَ جسرِ السنينْ

ننوءُ بحبِّ القصائدِ والياسمينْ

ما أعظمها من بكائية يسجلها الشاعر محمد الجاسم في هذين البيتين من الشعر، فكل الناس يعبُرون على الجسور، إلا من ظلمهم التأريخ، ومنع أن تكون لأعمارهم جسورٌ توصلهم بالحاضر، الذي أصبح لهم أكثر إيلاماً من ماضيهم، ذلك الماضي الذي ضحَّوْا به من أجل هذا الوطن، وهذه الأجيال التي تتغنى اليوم بإسم من ظلمهم وقهرهم وزرع الأرض بجماجم أصدقائهم ومحبيهم، وإنها لمفارقة عجيبة أن تصيب سهام الحرية من أفنوا أعمارهم من أجلها، لقد ملأت اليوم أجيالُ الحرية الساحاتِ، ولم تكترث لقصائد الياسمين، التي لازال شاعرنا ينوء بحملها، لأنها آخر ما تبقى من عمر قد فَنِيَ، من أجل حرية هذا الوطن .

نُسائِلُ حوريّةَ النهرِ عن آخرِ الذاهبينْ

الى غَدِهِمْ دونَ علمِ السنينْ

يستذكر الشاعر أسماء رفاقه، ممن عرجوا برفقة حورياتهم الى جنان الخلد، التي أعدها الخالق للشهداء، يقول ( نُسائِلُ ) ولم يقل (نَسْأَلُ)، لانه لا يكتفي بسؤال، بل يريد أن يتبادل الحديث لعله يعرف عنهم أكثر ما يمكن، وربما يريد أن يعرف مقدار ما تحقق لهم من تلك الآمال، التي تحولت الى أنين وغصة في صدره حزناً وألَمَاً، يريد أن تُنْبِئَهُ حوريات النهر اللاتي ينتظرن أرزاقهن من الأزواج القادمين، عن القصور التي يسكنونها، والمروج التي يملكونها، لعل تلك الأخبار ترفع عنه بعض الألم، وتريح قلبه المفجوع برفاقه المستشهدين، الذين خلّدهم الله في جنانٍ أعدَّها لهم في خُلْدٍ، لم يعبأوا فيه لحساب السنين والقرون والأزمان .

لعلَّ الأنينْ

يقصُّ على صِبْيَةِ الحيِّ

أُقصوصةَ الذاهبينْ

الذين إذا أُثخنوا أطرقوا

ثم راحوا

دونَ أن يعلموا

كيف باتَ الأنينْ

فقد الشاعر الثقة بمن يؤرخ لعذابات أولئك الشبّان المناضلين من أجل الحرية، بعد أن تنكر لهم أبناء الوطن، الذين سكروا بكؤوس الحرية، ولا يعلمون أن مَنْ أعدّها لهم إنما هم اولئك المجاهدون، الذين لم يتبقَّ من تأريخهم، وإشراقات أفعالهم ألا أنينُ الأمهات، الذي يُمْسي عليه الحي ويُصْبح، ليكون الأنشودة الوحيدة التي تُبقي أثراً لأقاصيصهم، لعلَّ صبيةَ الحيِّ يتعلمون منها الشرف الذي أصبح نادراً في ثقافة المستعمرين، هذه الثقافة التي أُريد لها أن تسود، لتمحوَ الشرف من سجل ذاكرة الوطن، لأنهم يعلمون علم اليقين، أن الشرف هو السلاح الوحيد الذي سيتصدى لهم، كما تصدى لعبدهم الذليل من قبل، وأركسه جيلُنا ذلَّ التأريخ، لينتهي به غروره أن يزاحم الجرذان على جحورها ...

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3125
يورو 1408.45
الجنيه المصري 75.82
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 1666.67
دينار كويتي 3846.15
ليرة لبنانية 0.79
ريال عماني 3125
ريال قطري 326.8
ريال سعودي 317.46
ليرة سورية 2.32
دولار امريكي 1190.48
ريال يمني 4.75
التعليقات
زيد مغير : إنما الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة. صدق الصادق الأمين حبيب اله العالمين محمد صلى الله عليه واله. ...
الموضوع :
الشيخ جلال الدين الصغير : قالوا: سيفتك الوباء بالملايين منكم إن ذهبتم؟ فذهبنا ولم نجد الوباء! فأين ذهب حينما زرنا الحسين ع؟
حيدر عبد الامير : القسط يستقطع من راتب المستلف مباشرة من قبل الدائره المنتسب لها او من قبل المصرف واذا كان ...
الموضوع :
استلام سلفة الـ«100 راتب» مرهون بموافقة المدراء.. والفائدة ليست تراكمية
نذير الحسن : جزاكم الله عنا بالاحسان احسانا وبالسيئة صفحا وعفوا وغفرانا ...
الموضوع :
أنجاز كتاب "نهج البلاغة" يتضمن النص العربي الأصلي مع ترجمته الإنجليزية
مازن عبد الغني محمد مهدي : لعنة على البعثيين الصداميين المجرمين الطغاة الظلمه ولعنة الله على صدام وزبانيته وعلى كل من ظلم ال ...
الموضوع :
كيف تجرأ الجوكر والبعث على إنتهاك حرمة أربعين الحسين؟
حسين غويل علوان عبد ال خنفر : بسم الله الرحمن الرحيم انا الاعب حسين غويل الذي مثلت المنتخب الوطني العراقي بالمصارعه الرومانيه وكان خير ...
الموضوع :
مجلس الوزراء : موقع الكتروني لإستقبال الشكاوى وتقديم التعيينات
ابو محمد : عجيب هذا التهاون مع هذه الشرذمة.. ما بُنيَ على اساس خاوٍ كيف نرجو منه الخير.. خدعوا امّة ...
الموضوع :
أحداث كربلاء المقدسة متوقعة وهناك المزيد..
عمار حسن حميد مجيد : السلام عليكم اني احد خريجي اكاديميه العراق للطران قسم هندسة صيانة طائرات و اعمل في شركة الخطوط ...
الموضوع :
الدفاع: دعوة تطوع على ملاك القوة الجوية لعدد من اختصاصات الكليات الهندسية والعلوم واللغات
ابو عباس الشويلي : صاحب المقال انته تثرد بصف الصحن اي حسنيون اي زياره اي تفسير لما حدث قالو وقلنا هم ...
الموضوع :
لاتعبثوا ..بالحسين!
علاء فالح ديوان عويز : السلام عليكم انا الجريح علاء فالح ديوان مصاب في محافظة الديوانية في نفجار سوق السمك عام2012/7 ولم ...
الموضوع :
دائرة شؤون المواطنين في الأمانة العامة لمجلس الوزراء تستقبل شكاوى المواطنين عبر موقعها الإلكتروني
ابو محمد : وهل تصدق ان ماجرى هو تصحيح للواقع ؟ ماجرى هو خطة دقيقة للتخريب للاسف نفذها الجهلة رغم ...
الموضوع :
بين تَشْرينَيْن..!
فيسبوك