المقالات

مهلة وطن

1915 2020-01-23

حمزة مصطفى

 

عبارة من مفردتين (مهلة, وطن) لكنها تختصر التاريخ والجغرافية معا. الجغرافية بوصفها المكان الذي ينشأ في ربوعه الوطن الذي هو شعب وأرض وسيادة وحكومة, والتاريخ هو مجموع إنجازات ومنجزات وآثار وتراث ومعالم وعوالم وشواخص هذا الوطن. بين التاريخ الموغل بالقدم في "وطن" مثل العراق وبين الـ "المهلة" التي يراد منحها لإعادة بناء هذا الوطن نقف الآن على مفترق طرق.

لماذا نقف على مفترق طرق؟ الجواب لأن الناس خرجت تتظاهر بعد أن وجدت أن الأداء السياسي للطبقة السياسية التي حكمت البلاد والعباد بعد عام 2003 لم يكن منصفا. هل هذه الإجابة كافية أو شافية للغليل؟ لا بالتأكيد. إذن لابد من البحث عن الأسباب الموضوعية لهذا الإنفجار الجماهيري الذي ترتبت  عليه حتى الآن تضحيات جسيمة لاتنسجم مع عنوان  الحراك وهو "التظاهر السلمي".

المشكلة تتعلق في كيفية بناء الدولة العراقية الحديثة بعد عام  1921 وفي إطار مفهوم المواطنة الذي يجعل الجميع يعيشون في وطن واحد له تاريخ معروف وجغرافية موصوفة. بدء من الملك فيصل الأول رحمه الله مرورا بكبار الكتاب والمؤرخين وعلماء الإجتماع ممن كتبوا عن  تاريخ العراق الحديث في عهوده الملكية والجمهورية من أمثال علي الوردي وحنا بطاطو وحسن العلوي وكمال مظهر أحمد وسواهم لم يتمكنوا من الإتفاق على مفهوم جامع  مانع للمواطنة العراقية.

لذلك جاءت كتاباتهم سواء في إطارها التشخيصي أم الوصفي أم التحليلي قائمة على أساس  محاولة جمع  المتناقضات بين ماهو سياسي وأجتماعي فضلا عن الخلافات والتناحرات والمشاكل والإشكاليات التي رافقت بناء تجربة الدولة العراقية طوال ثمانية عقود من الزمن. بعد عام 2003 حين إحتلت الولايات المتحدة الأميركية العراق لم تكتف بإسقاط  النظام السابق للإتفاق مع قوى المعارضة العراقية التي يفترض إنها البديل الديمقراطي عن نظام حكم شمولي, بل أسقطت الدولة العراقية.

البديل الديمقراطي لم يكن بمستوى تحدي بناء دولة جديدة من الصفر. الطبقة السياسية التي حكمت البلاد بدء من وصفة مجلس الحكم الفاشلة بإمتياز مرورا بالتجارب الديمقراطية التي تلت وقوامها الإنتخابات وتشكيل الحكومات وتداول السلطة إهتمت بالشكليات  الديمقراطية وتركت الجوهرالذي لم يكن ديمقراطيا وعلى كل الصعد. حرية الرأي والتعبير والتظاهر السلمي الذي له أفرد له الدستور العديد من المواد الجيدة هو أبرز ما تفتخر به الطبقة السياسية وهذا صحيح. لكن حين خرجت التظاهرات الجماهيرية بدء من الأول من تشرين الأول الماضي وحتى اليوم لم تخرج لأنها تحب التظاهر المكفول دستوريا. بل خرجت بحثا عن وطن بدا لها مفقودا بدء من الخدمات الى البنى التحتية الى المشاركة السياسية الى السيادة  الى الإستقلال والإبتعاد عن  النفوذ الإقليمي والدولي.

الديمقراطية بحد ذاتها ليست إنجازا بل هي وصفة في الحكم قد تكون ناجحة أوفاشلة. الإنجاز الحقيقي هو كيفية تجسيد مفهوم المواطنة الذي يضمن حق الجميع في وطن واحد بصرف النظر  عن  أية خلفيات عرقية أو دينية أو مذهبية أو أيدولوجية أو سياسية. الباحثون عن وطن خرجوا من أجل ذلك, والمهلة التي منحوها للطبقة السياسية تندرج في سياق ماقدموه  من تضحيات تكفي لبناء أوطان لا وطن واحد.

ـــــــــــــــــــــــــــ

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
----خلف ناصر عبد الله : اتمنى لكم التوفيق والسداد بحوث روعه غيتها اعلاء اعلام دين الله سبحانه:؟ ...
الموضوع :
تفسير "هذا صراطُ عليٍّ مستقيم" (الحجر: 41)
منير حجازي : العلاقات التي تربط البرزانيين بالكيان الصهيونية علاقات قديمة يطمح الاكراد من خلالها أن يساعدهم اليهود على إنشاء ...
الموضوع :
النائب مصطفى سند يُحرك شكوى ضد ممثل حكومة كردستان في المانيا دلشاد بارزاني بعد مشاركته احتفال في سفارة الكيان الصهيوني
منير حجازي : الاخت الفاضلة حياكم الله نقلتي قول (أنطوان بارا) في كتابه الحسين في الفكر المسيحي وهو يعقد مقارنة ...
الموضوع :
الحسين في قلب المسيح
ولي : بعد سنوات اليوم يقبل ابناء عنيفص منفذ المقابر الجماعية بحق الانتفاضة الشعبانية ١٩٩١ في الكلية العسكرية بينما ...
الموضوع :
محكمة جنايات بابل تحكم باعدام الارهابي رائد عنيفص العلواني قاتل 26 مواطنا ودفنهم في حديقة داره ببابل
زياد مصطفى خالد : احسنت تحليل واقعي ...
الموضوع :
مسرحية ترامب مع زيلنسكي والهدف الامريكي !!
ابو حسنين : انظرو للصوره بتمعن للبطل الدكتور المجاهد والصادق جالس امام سيد الحكمه والمعرفه السيد علي السستاني بكل تواضع ...
الموضوع :
المرجع الديني الأعلى السيد السيستاني يستقبل الطبيب محمد طاهر أبو رغيف
قتيبة عبد الرسول عبد الدايم الطائي : السلام عليكم اود ان اشكركم اولا على هذا المقال واستذكاركم لشخصيات فذة دفعت حياتها ثمنا لمبادئها التي ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
م خالد الطائي : السلام عليكم, شكرا لصاحب المقال, عمي مالك عبد الدايم الطائي: خريج 1970م، تخرج من كلية العلوم بغداد ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
ام زهراء : مأجورين باىك الله فيكم ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
علاء عبد الرزاق الانصاري : الاهم صلي على محمد وال محمد الطيبين الطاهرين ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
فيسبوك