المقالات

صناعةُ الجهلِ المُقدّسِ وأوهامُ النُّخبةِ..بينَ تطلّعاتِ الجماهيرِ والمُثقّفِ الأجيرِ!

446 2021-01-13

 

أ.د. عليَ الدّلفيّ ||

 

لا نعتقدُ أنَّ هناكَ من كذّبَ على عامّةِ النّاسِ؛ مثل: الذين رفعوا شعاراتٍ مزيّفةً باسم (الوطنيّةِ)، و(القوميّةِ)، و(الإصلاحِ)، و(البناءِ والإعمار)، و(السّلام)؛ ولم يشهدِ التّاريخُ لصوصيةً مشرعنةً كتلك التي يمتهنها الذين ولّوا هذه المُصطلحاتِ؛ حرفةً للعيشِ ودكانًا للارتزاقِ ولافتةً لكسبِ أصواتِ المؤيدينَ.

ولا أشكّ البتّة أنَّ معظمَ العُقلاءِ يشعرونَ أنّنا وصلنا إلى حالةٍ من تزييفِ الوعي من خلالِ الثّقافةِ (المؤدلجةِ) وتدجينِ المفاهيمِ الثقافيّةِ لصناعةِ وعي تسطيحيّ تنويميّ لا ينتهي بمجتمعاتنا سوى إلى مزيدٍ  من الضّياعِ في غياهبِ الوهمِ استمرارًا لرحلةِ قرنينِ من الوهمِ والتّيه.

ولا شكّ عندنا أنَّ منْ يعملونَ على صناعةِ الوعي مُنْذُ ظهورِ الماركسيّةِ حتّى اليوم؛ هم (ثالوث مشؤوم) أركانه: (السّياسيّ؛ والمثقّف الرّخيص؛ والمغرّر بهِ). ومشكلة مجتمعاتنا أنَّها كانتْ ولا تزال لا تتطلعُ للمصيرِ إلّا منْ خلالِ السّياسيّ ولا تتعاطى الوعي إلّا منْ خلال مثقّفي السّلطةِ، ولا تنهض إلّا منْ خلال الجماهيرِ المغرّرِ بهِم.

وإذا أردنا أنْ نفهمَ طريقةَ تفكيرِ مجتمعاتنا لا بُدَّ أنْ ندرسَ مصادرَ صناعةِ وعيها بدقّةٍ كي نشخّصَ العلّةَ قبل أنْ نقفزَ إلى وصفِ العلاجاتِ كما هو شأننا دائمًا.. ما الذي يجعل مجتمعاتنا أكثر المجتمعات تخلفًا وتطرفًا وبعدًا عن روحِ الدِّينِ وتعاليمهِ التي أجمعتْ على تكريمِ الإنسانِ واعتباره الغاية من وراء الوجود والقيمة العليا في هذا الكون؟! لماذا نعجزُ عن صنعِ إبرةِ خياطةٍ في حين نبدع في إنتاجِ ملايينَ الأطنانِ من الكلامِ في ترويجٍ ناجحٍ لبضاعةِ (اللُّغو المبرمج؟!!) لماذا نملأ الدُّنيا صراخًا في الدّعوةِ إلى القِيَمِ الماركسيّةِ (الغريبةِ) عن بيئةِ مجتمعنا والدّفاعِ عنها؟! في الوقتِ الذي نعاني فيه إفلاسًا مرعبًا في منظومةِ القِيَمِ ونسجّلُ أرقامًا فلكيّةً في حجمِ التّقهقرِ في كلِّ مجالاتِ الحياةِ، وأوّلها: القِيَم الأخلاقيّة؟!

أسئلةٌ كثيرةٌ وكبيرةٌ لطالما حيّرتِ الكثيرين ونحن من بينهم.. وفي (عقيدتنا) أنَّ السّببَ الرئيسَ ببساطةٍ هو طبيعةُ الدّورِ الخطيرِ الذي يمارسه (الثّالوثُ) المذكورُ في لعبتهِ المتقنةِ في صناعةِ الجهلِ المُقدّسِ.. وحين يصبح الجهلُ مقدّسًا يمسي التّغيير الحقيقيّ مستحيلًا، ولا يسعنا سوى الاعتراف أنَّ ذلك (الثّالوث) هو الأكثرُ نجاحًا في مقياسِ الكمّ الجماهيريّ المعبّأ والمشحون والمستعد للاندفاعِ كالطوفانِ لتدميرِ كلِّ من يرفع صوتًا أو يدلي بكلمةٍ في محاولةٍ لفضحِ الدّورِ الخطيرِ الذي يمارسهُ (ثالوثُ) التّخوين والتّكفير.. ولم يكن ذلك النّجاح ممكنًا لولا جبن المثقّف وتقاعسه، بل ورخصه في كثيرٍ من الأحيانِ، وبدلًا من أنْ يكونَ المثقّفُ صانعَ وعي نوعيّ أصبح أداةً سلطويّةً لتزييفِ الوعي برفع شعار: (ما يطلبه المستمعون) بغية تحقيقِ المكاسبِ والمناصبِ إلىٰ الحدّ الذي يمكننا فيه أنْ نقولَ ودون تردّد: إنَّ (المثقّفَ) في واقعنا وجهٌ آخرُ للقهرِ والاستبدادِ والأرستقراطيّةِ ولكنْ بمعناه غير المرئيّ.

ومُنْذُ أنْ تمّتْ مُحاربةُ الدّينِ ببُعدهِ الإنسانيّ على يد (الثّالوث)، حتّى ضعف دوره اجتماعيًّا؛ وغُيّبتْ قيمته التربويّة وتأثيره الروحيّ في خلقِ النّموذجِ الإنسانيّ السّويّ الذي لا ينتمي إلا للإنسانِ كقيمةٍ عليا، والمقياسُ الأوّلُ والأخيرُ فيه هو تقديسُ إنسانيّةِ الإنسانِ وحمايتها. لقد دافعَ الإمامُ عليّ (عليه السّلام) خلال حكمهِ عن حقوقِ اليهوديّ والمسيحيّ وجميعِ أتباعِ الدّيانات الأخرى، كما دافعَ عن حقوقِ المُسلمِ بدرجةٍ سواء.

أخيرًا أقولُ ما قاله فولتير:” من الصعوبةِ أنْ تحرّرَ السُّذّجَ من الأغلالِ التي يبجّلونها”.

ــــــ

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3846.15
يورو 1754.39
الجنيه المصري 93.28
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 2083.33
دينار كويتي 4761.9
ليرة لبنانية 0.96
ريال عماني 3846.15
ريال قطري 401.61
ريال سعودي 389.11
ليرة سورية 2.85
دولار امريكي 1470.59
ريال يمني 5.84
التعليقات
لفيف عن مدينة الموصل : السلام عليكم ورحمة ألله وبركاته :- 📍م / مناشدة انسانية لايجاد موقع بديل لمركز شرطة دوميز زمار ...
الموضوع :
دائرة شؤون المواطنين في الأمانة العامة لمجلس الوزراء تستقبل شكاوى المواطنين عبر موقعها الإلكتروني
مواطنة : احسنتم كثيرا ً رحم الله الشيخ الوائلي طريقة الحياة العصرية الان وغلاف الغفلة الذي يختنق فيه الاغلبية ...
الموضوع :
لماذا لا زلنا الى اليوم نستمع لمحاضرات الشيخ الوائلي (قدس)؟!
مواطنة : قصص ذرية الامام موسى ابن جعفر تفوح بالاسى والمظالم ز لعن الله الظالمين من الاولين والاخرين ...
الموضوع :
قصة السيد ابراهيم المجاب … ” إقرأوها “
مواطن : الواقع العراقی یحکی حال اخر للمعلم بکسر المیم ! ...
الموضوع :
كاد المعلم ان يكون..!
صفاء عباس الغزالي : بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم ياكريم وكيف لا وهوه زوج ...
الموضوع :
الامام علي وتكريمه من قبل الامم المتحدة
مازن عبد الغني محمد مهدي : السلام عليكم سيدنه المحترم,,نسال الله بحق الرسول ابو القاسم محمد واله الاطهار المطهرين المظلومين ان يلعن اعداء ...
الموضوع :
التاريخ الاسود لحزب البعث الكافر/7..انتصار المظلوم
مازن عبد الغني محمد مهدي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نسال الله العزيز الرووف بحق نبينا نبي الرحمة ابو القاسم محمد واله ...
الموضوع :
اصابة اية الله العظمى الشيخ محمد اسحاق الفياض بفايروس كورونا
مازن عبد الغني محمد مهدي : السلام عليكمورحمة الله وبركاته ,, نسال الله عز وجل بحق نبينا ابو القاسم محمد واله الاطهار المطهرين ...
الموضوع :
أعداء العراق يتوحدون ويتحالفون ويعلنون الحرب على العراق والعراقيين
زيد مغير : السيدة الكريمة سميرة الموسوي مع التحية . فقط ملاحظة من مذكرات العريف الان بدليل من الفرقة ١٠١ ...
الموضوع :
بئست الرسالة ،والمرسلة؛ النفاية رغد القرقوز.
طاهر جاسم حنون كاضم : الله يوفقكم ...
الموضوع :
قصة السيد ابراهيم المجاب … ” إقرأوها “
فيسبوك